تمييع وتلبيس
تابعت يوم الخميس الماضي حصة في إحدى القنوات اللبنانية، وكان موضوعها عن سيدنا عيسى ـ عليه السلام ـ في القرآن الكريم.
شارك في تلك الحصة قسيس من بيت لحم بفلسطين المغتصبة، ومن القاهرة شيخ أزهري، ومن بيروت أستاذ مسيحي، بالإضافة إلى منشط الحصة ومعدها، وهو من المغرب العربي..
وأبدأ بملاحظة هي أنني لم أسمع مسيحيا يعتبر سيدنا محمدا ـ عليه الصلاة والسلام ـ نبيا ورسولا إلا من هذا الأستاذ المسيحي الذي كان موضوع رسالته للدكتوراه هو الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ حيث ذكر سيدنا محمدا ـ صلى الله عليه و سلم ـ عدة مرات واصفا إياه بالرسول الأعظم..
وقد لاحظت أيضا أن منشط الحصة كاد يكون “مسيحيا” أكثر من المسيحيَيْنِ اللذين استضافهما.. مُشَنّعا على “المتطرفين” المسلمين، كأن المسيحيين “ملائكة” يمشون على الأرض، وفي ذلك ما فيه من التملق مما يثير التقزز..
لقد تردد على لسان ذلك المنشط الذي يحابي “الإخوة” الشيعة أيضا، لأن تلك القناة التي يعمل فيها “ممولة” من أوساط شيعية؛ أقول تردد على لسانه أكثر من مرة جزء من الآية الثانية والثمانين من سورة المائدة، وهو قوله سبحانه وتعالى: “..ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا، وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق…”. موهما الناس أن المقصود بالنصارى في الآية الكريمة هم المسيحيون في كل مصر وعصر، إذ لم أسمع منه تقييدا للكلمة لا بعصر ولا بمصر، ولا بأوصاف محددة، حتى ليُفهم من كلامه أن المسيحيين “من ورثة جنة النعيم”، وهذا من التلبيس على الناس وتضليلهم.
إننا لا نرتاب في أن تلك الآية من كلام الله عز وجل، ولكن إطلاقها على المسيحيين جميعا هو الذي نجادل فيه، ولا نجادل فيه بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير.
لقد راجعت عدة تفاسير فوجدتها تحصر هؤلاء النصارى في مجموعة اختلف فيهم إن كانوا من نجران أم من الحبشة، وفدوا على رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ فأسمعهم آيات من القرآن الكريم فتأثروا بما سمعوا، فاقتنعت عقولهم، وخشعت قلوبهم، ولانت جلودهم، حتى فاضت أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق، فأسلموا وجوههم لله، راجين منه أن يدخلهم برحمته في عباده الصالحين.
لقد أعجبني ما ذكره الشهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ وهو (إن هذه الآيات تصور حالة، وتقرر حكما في هذه الحالة… ومع أن متابعة مجموع الآيات لا تدع مجالا للشك في أنها تصور حالة معينة هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعين فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها، ويجعلونها مادة للتميّع المؤذي في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة). (الظلال. ج 2. ص 962. ط.دار الشروق).
إن هذا العمود لا يتسع لبسط القول في هذا الأمر، وأكتفي بالقول إن كان هذا الفهم المميَّع هو المقصود فلا شك في أن المجرمين الصليبيين والفرنسيين والإسبانيين والبريطانيين والروسيين والإيطاليين والأمريكيين وآخرين من دونهم “أقرب مودة” إلينا، وهذا ما لا يصدقه عاقل، فضلا عن عالم.
إن سبب هذا التمييع لهذه الآية هو وجود طوائف مسيحية في دول من المشرق العربي استرضاء لها حتى لا تستقوي بالمسيحيين الغربيين. ونحمد الله ـ عز وجل ـ أن جعلنا في المغرب العربي مسلمين، وإن ضلت “كمشة” منا سواء السبيل فهي إلى عودة في ملتنا إن أحسنّا التعامل معها. وسلام على سيدنا عيسى عليه السلام يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حيا، مؤتما بأشرف المخلوقين وأفضل الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد الأمين.