الرأي

تنبّؤٌ صادقٌ من كَذوب

اجتهدت الدعاية الفرنسية والكاثوليكية عموما في تحويل شخصٍ من صورة شيطانٍ مَريد إلى صورة ملاكٍ بريء براءة الأطفال، والمصيبةُ هي أنّ بعض “المسلمين” صدّقوا هذه الدعاية، بل إنّ أحدهم كتب كتابا عن هذا الشيطان الإنسي، ولم يستحِ فافتتحه بآيةٍ قرآنية هي قوله تعالى: “ومن يُطع اللهَ والرسولَ فأولئك مع الذين أنعم اللهُ عليهم من النبيئين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا”. ولهذا فقد اعتبر عملَه على أنه “دالٌّ على نوع من الوقاحة” (ص 21 من كتاب شارل دوفوكو في نظر الإسلام).

فمن هو هذا الشيطانُ الإنسي، ومن هو مزكّيه من “المسلمين”؟

فأمّا هذا الشيطانُ الإنسيُّ فهو الضابط الجاسوس المُترَهْبِن شارل فوكو (1858- 1916)، فأمّا كونه ضابطا فقد تخرّج في مدرسة تكوين المجرمين، مدرسة سانسير العسكرية، ومن أخلص أصدقائه المجرمان ليوتي ولابّيرين، وعمل في الجزائر في أثناء جهاد الشيخ بوعمامة، رحمه الله، ومع ذلك يقول مؤلّفُ الكتاب عنه: “تصرَّف مُكرَها كما لو أنّه كان ضابطا”. (ص 84 من الكتاب).

ثمّ ارتدى لباس يهوديٍّ وجاس خلال المغرب الأقصى، وأعدّ تقريرا تحت عنوان “استطلاعٌ في المغرب”، اعتمد عليه الجيشُ الفرنسي في غزوه للمغرب الأقصى، و”لولا خريطة دوفوكو ووثائقه عن المغرب التي قدَّمها للحكومة الفرنسية لكان احتلالُ فرنسا للمغرب من الصعوبة بمكان”. (جريدة “الشريعة” لجمعية العلماء، في 31 جويلية 1933 ص6).

ولهذا فبمجرد استقرار فرنسا في مملكة مراكش أقام الجنرال المجرم ليوتي تمثالا لصديقه المجرم الجاسوس دوفوكو في الدار البيضاء، وربما ما يزال قائما إلى الآن.

وفي 1906، استقرّ في بلدة “بني عباس بمنطقة بشار، وتمنغست، وكان يقضي 5 أشهر في هذه وخمسة أشهر في الأخرى، وشهرين غُدوًّا ورواحا، ومهمته، كما قال: “العملُ التمهيدي للأنْجَلة، إنها مرحلة كسب الثقة…”. (ص 58). وقد قدّم بين سنتي 1915 و1916 “واحدةً وأربعين رسالة –تقريرًا- لصديقه المجرم لابّيرين لكي يُخبره بأحداث الصحراء”. (ص 93). وفي 1 ديسمبر 1916 قتله المجاهدون الجزائريون من أتباع الحركة السنوسية في تمنراست.

وأمّا مزكّي هذا الشيطان فهو شخصٌ آتاه اللهُ آياتِه فانسلخ منها، إذ كان حافظا للقرآن الكريم، إنّه علي مرّاد الذي استزلّه الشيطانُ، وغلُبت عليه شقوتُه وشهوتُه فكتب كتابا عن هذا الشيطان الإنسي تحت عنوان “شارل دوفوكو في نظر الإسلام”، وأشرفت على ترجمته إلى العربية دائرة العلاقات الثقافية في وزارة الخارجية الفرنسية، وساهمت في تمويل ترجمته أربعة عشر شركة فرنسية، في مقدمتها “الخطوط الجوية الفرنسية”.

في سنة 1912، بعث هذا المجرم، الجاسوس، المُترهْبِن، رسالة من تمنراست إلى صديقه فيتز جيمس في باريس، ونشرتها جريدة “لوموند” في 17- 5- 1957، وقد زوّدني أحدُ الإخوة في باريس بصورةٍ من هذه الرسالة التي جاء فيها: “إنّني أعتقد بأنّه إذا لم نستطع تحويلَ المسلمين بالتدريج عن دينهم وحملهم على اعتناق المسيحية، فإنّ النتيجة الحتمية هي تكوُّنُ روح قومية جديدة تؤدّي إلى طردنا من الإمبراطورية الاستعمارية في شمال إفريقيا. إنّ الروح الوطنية، العربية والبربرية، سوف تنمو في صفوف الطبقة المثقفة التي ستستعمل الإسلامَ كسلاح فعّال لإثارة الجماهير… إنّ السبيلَ الوحيد لضمان عدم طردنا من هذه الإمبراطورية هي أن نجعل سكان البلاد فرنسيين، والسبيل الوحيد لذلك هو جعلهم مسيحيين”. وقد صدَق هذا الكذوبُ المجرم، ولم تُطرد فرنسا من شمال إفريقيا فقط، بل طُردت –بفضل الله- ثم بفضل مجاهدينا الأشاوس من إفريقيا كلّها.

مقالات ذات صلة