الرأي

توقف.. إنها أمّك بلا مزيتك!

جمال لعلامي
  • 3886
  • 6

تزلزل “الفايسبوك” في ذكرى نوفمبر، بصورة لشيخ جزائري يقبّل تراب هذه الأرض الطاهرة المسقية بدماء الشهداء الأبرار، وقد ذكـّرتني هذه الرائعة، بلافتة وقفت قربها بمدينة حلب في سوريا الجريحة قبل ما يسمى “الربيع العربي”، وقد كـُتب عليها: “لا تبصق على هذه الأرض، إنها تستحقّ منك التقبيل”.

لا فرق في المضمون، بين الصورة الأولى في الجزائر، والصورة الثانية في سوريا، فكلها إشارات للتعلق بالوطن وتنفّس الوطنية، أبا عن جدّ، وجيل عن جيل، فلا فرق بين الشيخ الذي “باس” أرض الأمير عبد القادر بالجزائر، والنبيه الذي نخز المتناسي لمنعه من البصق على أرض صلاح الدين ببلاد الشام، وفي الحالتين الأرض تتكلّم عربي.

قال لي أحد الشيوخ المخضرمين: رغم أن مشهد تزاحم أبنائنا الطلبة أمام جدران المركز الثقافي الفرنسي، كانت مؤلمة وموجعة ومستفزة ومهينة ومسيئة، لأنها جاءت قبل ذكرى الفاتح نوفمبر، إلاّ أن المطلوب منا جميعا، أن لا نصبّ البنزين على النار، ولا نمنح الفرنسيين “الدليل” لاستغلاله ضدنا، بالوقوع في فخ التراشق والاتهام في ما بيننا!

فعلا، أيها الشيخ.. أيها الأب.. يا أيها الجدّ الفحل.. يا مجاهدنا الأبيّ.. ما حدث كان قاصما، لكن ربما “ربّ ضارة نافعة”، وحتى إن كان “الطابور” ليس الأول، وقد لا يكون الأخير، لا ينبغي علينا أن نعاقب بعضنا البعض بالتوريط، بل علينا جميعا أن نصحّح الأخطاء في الحكومة والإدارة والأحزاب والمجالس المنتخبة، وفي المجتمع والعائلة أيضا!

بدون شك، لن يختلف اثنان ولن تتناطح عنزتان، حول ولاء الجزائري لبلده وأمته وشعبه، وأحيانا يكرّس البعض مبدأ “ومن الحبّ ما قتل”، في تعاطيه مع الأحداث والوقائع، وحتى إن وُجدت فئة “ضالة” أو “مغرّر بها” بشهادة الشهود وبالإجماع وباعترافاتها، فإنها تبقى تصرفات معزولة وأفعال أو أقوال فردية وانفرادية، وطبعا “الشاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه”!

هو شهر نوفمبر، وفيه الذكرى والعبرة، التاريخ والثورة، فيه محاربة النسيان، وفيه تكريم الأوّلين وتخليدهم بما يستحقون من افتخار واعتزاز ونياشين الاعتراف والتقدير، و”الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا”، والأهمّ أنه كلما عاد نوفمبر، أو جويلية، عادت معه رائحة التضحية والولاء والوفاء لجزائر تبقى ملكا لكلّ الجزائريين ومفخرة لجميع أبنائها الأحرار.

لن ينسلخ “جيل الاستقلال” عن “جيل الثورة”، رغم التناقضات والصراعات والاتهامات، ورغم اختلاف الأفكار والرؤى، ورغم تغيّر الظروف والوقائع، لكن الإرث الخالد الذي لا يتغيّر و”لا يحول ولا يزول”، هو جزائرنا.. جنات تجري من تحتها الأنهار.

مقالات ذات صلة