-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
حين يدخل الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس غرف العمليات:

“توماي” جرّاح الجزائريين الجديد… السرطان لم يعد كما كان!

إيمان كيموش
  • 332
  • 0
“توماي” جرّاح الجزائريين الجديد… السرطان لم يعد كما كان!

“أنت مصاب بالسرطان”، قد تكون هذه أصعب ثلاث كلمات يمكن أن يسمعها إنسان في حياته، ففي لحظة واحدة تتغير كل الحسابات، ويبدأ المريض رحلة شاقة مع الخوف والقلق والفحوصات في مواجهة داء لطالما ارتبط في أذهان الناس بالموت والمعاناة، لكن هل بقي السرطان اليوم كما عرفناه قبل سنوات؟
في الأشهر الأخيرة، تبدلت المعطيات داخل مصالح علاج الأورام في الجزائر، فإلى جانب الأطباء والأدوية وآلات العلاج التقليدية، دخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأجهزة “بيت سكان”، والروبوتات الجراحية، وشبكات الجيل الخامس قاعات العلاج. ورغم تعقيد هذه المصطلحات، فإن أثرها كان واضحا… اكتشاف مبكر للمرض، تشخيص أعلى دقة وعلاج أكثر فعالية بما يرفع فرص النجاة.
أحد من شفوا من الورم الخبيث، الستينية، نسيمة كريبع، من الجزائر العاصمة، تقول لـ”الشروق” إنها عادت من رحلة الموت، بعدما كاد الانتظار الطويل أن يكلفها حياتها. بدأت القصة بظهور دم في الفضلات، لكنها لم تتوقع أن يكون مؤشرا على مرض خطير، وظنت في البداية أنه مجرد عارض صحي بسيط، ومع مرور الوقت، اجتاحت جسدها حكة شديدة وغامضة، فتنقلت بين عدد من الأطباء، وخضعت لتحاليل وفحوصات متكررة، دون أن تكشف النتائج الأولى السبب الحقيقي لمعاناتها، فيما كانت حالتها تزداد تعقيدا.
ولم تتضح الصورة، إلا عندما أحالها طبيب مختص لإجراء فحوصات أكثر دقة، شملت تنظير القولون، قبل أن تخضع لفحص “البِيتْ سكانْ”، أحدث تقنيات التصوير الطبي في الجزائر، مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحليل الصور، الذي ساعد الأطباء على تحديد الورم بدقة وتقييم امتداده، لتأتي النتيجة الصادمة: سرطان في القولون يستوجب العلاج الإشعاعي وتدخلا جراحيا عاجلا.
وخضعت نسيمة، بمستشفى “مايو” بالعاصمة، لعملية دقيقة لاستئصال الورم، ثم عاشت ستة أشهر كاملة بكيس خارجي لتصريف الفضلات بعد تحويل مؤقت لمسار الأمعاء، قبل أن تنجح في إجراء عملية ثانية استعادت بعدها حياتها الطبيعية.

احذروا… 60 ألف جزائري ضحايا جُدد للسرطان كل سنة!
لم تكن قصة نسيمة حالة استثنائية، فكل عام يدخل عشرات آلاف الجزائريين المعركة نفسها، حيث يدقّ البروفيسور عدة بونجار، رئيس اللجنة الوطنية للوقاية من السرطان ومكافحته، في حديثه لـ”الشروق”، ناقوس الخطر، بكشفه عن رقم صادم: “الجزائر تسجل قرابة 60 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنويّا”، و”جزء معتبر من هذه الحالات يرتبط بعوامل يمكن الوقاية منها، كالتغذية غير الصحية، والتدخين، وقلة النشاط البدني، والضغوط النفسية”، كما “تتصدر سرطانات الثدي، ثم القولون والمستقيم، فالبروستات عند الرجال، والرئة وعنق الرحم قائمة الأورام الأكثر انتشارا، إلى جانب الارتفاع المتواصل في سرطانات المثانة، والغدة الدرقية، والجهاز الهضمي”.
ورغم هذه الأرقام المقلقة، يؤكد بونجار أن السرطان في 2026 لم يعد المرض نفسه الذي عرفه الأطباء قبل سنوات، بعدما غيّر الطب الدقيق قواعد العلاج، فلم يعد جميع المرضى يتلقون البروتوكول نفسه، بل أصبح لكل ورم بصمته الجينية وخطته العلاجية الخاصة.
ولم يتوقف التطور عند هذا الحد، بل دخلت إلى الممارسة الطبية علاجات موجّهة، وعلاجات مناعية، وأدوية كيميائية أكثر دقة وأقل آثارا جانبية، بالتوازي مع تطور الجراحة الروبوتية والعلاج الإشعاعي، فيما أصبح الذكاء الاصطناعي يساعد الأطباء على تحليل صور الأشعة، واكتشاف الأورام في مراحل مبكرة، واختيار العلاج الأنسب لكل مريض.

“توماي”.. 5 روبوتات صينية في أول تجربة بالجزائر
وأمام هذه المعطيات، تستعد الجزائر، في سابقة هي الأولى من نوعها، لاستقبال خمسة روبوتات جراحية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، سيتم اقتناؤها من الصين.
ويرتقب توزيع هذه الروبوتات على كل من المستشفى الجامعي فرانس فانون بالبليدة، والمركز الاستشفائي الجامعي محمد لمين دباغين “مايو سابقا” بباب الوادي، ومركز بيار وماري كوري لمكافحة السرطان، إلى جانب المركزين الاستشفائيين الجامعيين بوهران وباتنة.
ويتعلق الأمر، بحسب تصريح رؤساء المصالح المعنية لـ”الشروق” بالروبوت الجراحي “توماي”، الذي تطوره شركة شنغهاي مايكروبورت ميدبوت، ويرتقب أن يحدث نقلة نوعية في جراحات السرطان، خاصة سرطانات البروستات والكلى والمسالك البولية.
ويجزم البروفيسور سيد أحمد ولد عربي، رئيس مصلحة جراحة المسالك البولية وزراعة الكلى بالمستشفى الجامعي فرانس فانون بالبليدة، وهو أحد الأقسام التي ستستقبل الروبوت، في تصريح لـ”الشروق”، بأن روبوت “توماي” سيصل قريبا ضمن الدفعة المخصصة للجزائر، موضحا أنه من أحدث الروبوتات الجراحية الصينية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، ورغم أنه لا يعوض الجراح، فإنه يمنحه دقة أكبر في الأداء، إذ يتحكم الطبيب في جميع حركاته من خلال منصة قيادة متطورة، بينما تنفذ اليد الروبوتية الأوامر بدقة متناهية، مع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تدعم الرؤية والتوجيه في أثناء الجراحة.
وأضاف أن النظام يوفر رؤية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة ومكبرة لموضع العملية، ما يساعد على تمييز الورم والأعضاء الدقيقة، واستئصال السرطان مع الحفاظ على الخلايا السليمة، كما تتحرك اليد الروبوتية بحرية تصل إلى 360 درجة، متجاوزة قدرات اليد البشرية التي تتحرك 180 درجة، وتقضي على رعشة اليد في أثناء استخدام الأدوات الجراحية، وهو ما يرفع مستوى الدقة، خاصة في العمليات المعقدة.
ويستفيد المريض بدوره من شقوق جراحية أصغر، وآلام أقل، واستهلاك أقل للمسكنات، فضلا عن تقليص مدة الإقامة بالمستشفى وتسريع التعافي، فيما تتيح هذه التقنية للجراح العمل براحة وتركيز أكبر خلال العمليات الطويلة.
واعتبر المتحدث أن تشغيل هذه الروبوتات سيرافقه برنامج تكوين يشمل الجراحين وأطباء التخدير والإنعاش ويتجاوزهم إلى الممرضين والتقنيين، مشيرا إلى أنه تم بالفعل إيفاد أحد أطباء مصلحته لمتابعة تكوين بفرنسا، بينما سيتلقى آخرون تكوينا بالصين استعدادا لدخول هذه التكنولوجيا حيز الخدمة.

التحول الكبير في مركز “ماري كوري”
وللوقوف على ما يمكن أن يغيره “توماي”، تنقلنا إلى أشهر مركز لعلاج السرطان في الجزائر “بيار وماري كوري” بالمستشفى الجامعي مصطفى باشا، كنا نهاية شهر جويلية، حيث كانت الحرارة مرتفعة جدا، لكن ذلك لم يمنع توافد المرضى وعائلاتهم منذ الساعات الأولى من الصباح.
عند حدود التاسعة، كانت طوابير من الرجال والنساء وكبار السن مصطفة أمام مخبر التشريح الباطني، يحمل كثير منهم قوارير ماء، فيما ارتدى بعض المرضى الكمامات تفاديا للعدوى بسبب ضعف مناعتهم. داخل قاعة الانتظار، التي ضمت نحو 80 شخصا، انشغل البعض بهواتفهم لتمضية الوقت، بينما رافق أفراد العائلة كبار السن في مختلف الإجراءات، وعلى امتداد الطوابق الخمسة للمركز ومختلف الفروع الأخرى، حرص الممرضون على تنظيم استقبال المرضى وتوجيههم وسط معاملة حسنة، رغم أن القلق كان باديا على معظم الوجوه، ويضم المركز عددا من المصالح المتخصصة، من بينها الجراحة، وأمراض الدم، والأشعة، والطب النووي، وعلم الخلايا، فيما تخضع حاليا وحدة أورام الأطفال لأشغال ترميم.
التقينا هناك البروفيسور عبد الوهاب سالمي، رئيس مصلحة جراحة الأورام بالمركز، الذي أكد لنا أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعا لا مفر منه، وسيفرض نفسه في مختلف المجالات، بما فيها الطب والجراحة، مشيرا إلى أنه سيحدث تغييرات كبيرة في الممارسة الطبية مستقبلا بـ”ماري كوري”، غير أن هذه التقنيات لا تزال في بداياتها بالجزائر.
وأوضح أن الجراحة الروبوتية تمثل تطورا طبيعيا للجراحة بالمنظار، لكن اقتناء الروبوتات الجراحية يجب أن يكون مصحوبا بحسن استغلالها، نظرا إلى تكلفتها المرتفعة، مؤكدا أنه من غير المعقول أن يبقى الروبوت معطلا أو ينجز عددا محدودا من العمليات، بل ينبغي أن تستفيد منه عدة فرق جراحية حتى يتم تحقيق أقصى استفادة من هذا الاستثمار.
وفي المقابل، شدد البروفيسور سالمي على أنه إلى جانب إدخال الروبوتات أو الذكاء الاصطناعي، يجب معالجة النقائص الأساسية، على غرار المستلزمات الجراحية، خاصة المعدات الخاصة بالجراحة بالمنظار، مثل أدوات “التروكار” التي تسمح بإدخال الأدوات الجراحية إلى جسم المريض، فضلا عن الصعوبات التي عرفها المركز خلال السداسي الأول في توفير بعض الأدوية، مضيفا: “الحمد لله، تم حل جزء كبير من هذه المشاكل مطلع السداسي الحالي”.

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يهزم السرطان؟
نعم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يهزم السرطان، ليس لأنه يعالج المرض بمفرده، بل لأنه يساهم في اكتشاف الأورام في مراحل مبكرة، ويساعد الأطباء على اتخاذ القرار العلاجي الأمثل.
ويؤكد البروفيسور محمد لمين خرفي، خبير الذكاء الاصطناعي، والمدير السابق للرقمنة بوزارة التعليم العالي، في إفادة لـ”الشروق” أن هذه التكنولوجيا أحدثت تحولا جذريا في علم الأورام، بعدما أصبحت قادرة على تحليل الصور الطبية والعينات النسيجية والبيانات الجينومية في وقت قياسي، ومقارنة حالة المريض بآلاف الحالات المشابهة عبر العالم، لاختيار العلاج الأكثر ملاءمة وفق مفهوم الطب الدقيق.
كما تستطيع التنبؤ، يضيف خرفي أستاذ جامعة كيبيك الكندية، باستجابة المريض للعلاج وآثاره الجانبية المحتملة قبل ظهورها، ما يجعلها شريكا للطبيب في اتخاذ القرار الطبي، دون أن تحل محله.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على التشخيص، بل يمتد إلى تسريع اكتشاف الأدوية.
وفي هذا السياق، يكشف عبد الوحيد كرار، رئيس الاتحاد الوطني لمتعاملي الصيدلة لـ”الشروق” أن الخوارزميات أصبحت قادرة على فحص ملايين الجزيئات الدوائية افتراضيا، والتنبؤ بالتفاعلات الجزيئية، وإعادة توظيف أدوية موجودة أصلا لعلاج أنواع جديدة من السرطان، وهو ما قد يقلص مدة تطوير بعض الأدوية من 10 إلى 15 سنة بنسبة تتراوح ما بين 30 و50 بالمائة، مع خفض تكاليف المراحل الأولى من البحث بما قد يصل إلى 70 بالمائة، وتقليل معدلات فشل برامج تطوير الأدوية.
أما في مجال سرطان الفم كمثال، فيكشف البروفيسور آيت موفق نسيم رئيس مصلحة أمراض وجراحة الفم بالمركز الاستشفائي الجامعي بني مسوس لـ “الشروق” أن نماذج متقدمة للذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تحليل صور اللسان واللثة والخدود، ورصد الآفات المشبوهة بدقة تتجاوز 90 بالمائة، بل واكتشاف مؤشرات قد لا تلتقطها العين المجردة.
ويؤكد أن الجزائر لا تزال في مرحلة بناء الأسس اللازمة لتوظيف هذه التقنيات، مشيرا إلى أن الدولة شرعت في إنشاء مركزين وطنيين للبيانات بالجزائر العاصمة والبليدة، وهما مشروعان سيشكلان قاعدة لتجميع البيانات الطبية وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز السيادة الرقمية للبلاد، بما يمهد لإدماج هذه الحلول مستقبلا في تشخيص وعلاج السرطان.

“جي 5” سلاح جديد ضد الورم الخبيث
ولتشتغل هذه التقنيات بكفاءة، تحتاج إلى بنية رقمية قادرة على نقل الصور والبيانات الطبية بسرعة، وهنا يظهر دور شبكات الجيل الخامس، التي أطلقتها الحكومة رسميا شهر أكتوبر 2025، حيث يؤكد خبير التكنولوجيا يونس قرار، في تصريح لـ”الشروق” أن الجيل الخامس لا يعني مجرد إنترنت أسرع، بل يشكل العمود الفقري للطب الرقمي بفضل سرعته التي تفوق الجيل الرابع بنحو عشرة أضعاف، وزمن الاستجابة المنخفض جدا الذي يسمح بنقل صور الأشعة والفيديوهات الطبية عالية الدقة، إلى جانب المؤشرات الحيوية للمريض، في أجزاء من الثانية، دون انقطاع أو بطء ما يتيح للطبيب متابعة حالة مريض السرطان واتخاذ القرار العلاجي في الوقت المناسب من داخل غرفة العمليات.
ويوضح أن هذه الإمكانات تفتح الباب أمام الجراحة عن بعد، حيث يستطيع الجراح التحكم في الروبوت الجراحي من مستشفى آخر أو من خارج الجزائر أو حتى لو كان في بيته، بينما تنتقل أوامر تحريك الأدوات الجراحية مثل المقص والإبرة وأدوات الخياطة بشكل لحظي، وكأن الطبيب موجود داخل غرفة العمليات كما تتيح الشبكة إشراك أطباء مختصين من ولايات أو دول أخرى لمتابعة العملية وتقديم المشورة الفورية عند الحاجة، دون أن يغادروا أماكن عملهم.
ولا ينحصر دور الجيل الخامس في غرف العمليات، بل يمتد إلى سيارات الإسعاف ومنازل المرضى، إذ يمكن إرسال قراءات الضغط ونسبة السكر ودرجة الحرارة ونبضات القلب مباشرة إلى الطبيب، الذي يستطيع إصدار التعليمات العلاجية في اللحظة نفسها، أو إرسال أوامر إلى أجهزة طبية ذكية وروبوتات مبرمجة لتنفيذ إجراءات محددة، بما يختصر الوقت ويرفع فرص إنقاذ المرضى في الحالات الحرجة.
ويسمح “جي 5” بحسب قرار، بدمج الذكاء الاصطناعي في هذه المنظومة، عبر تحليل البيانات الطبية الضخمة الواردة من المريض ومقارنتها بآلاف الحالات المشابهة لمساعدة الطبيب على اختيار القرار العلاجي الأنسب بسرعة ودقة أكبر.
غير أن هذا التحول، يشدد المتحدث، يبقى رهينا باستكمال البنية التحتية الرقمية، من خلال إلزامية التعجيل في تعميم الألياف البصرية وتعزيز تغطية الجيل الخامس وإنشاء مراكز بيانات وطنية مؤمنة، على غرار المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية الذي دشنه رئيس الجمهورية بمناسبة عيد الاستقلال شهر جويلية الماضي.

أسرار “بيتْ سكانْ” و”ثيرانوستيك” والذكاء الاصطناعي
توظيف الذكاء الاصطناعي لم يعد محصورا في المستشفيات العمومية، بل أصبح حاضرا أيضا داخل العيادات الخاصة، التي استثمرت في أحدث تقنيات التشخيص والعلاج.
وخلال زيارة ميدانية قادت “الشروق” إلى “عيادة كسال” بالرغاية، التابعة لمجمع كسال للرعاية الصحية، وقفنا على منظومة متكاملة من التجهيزات الطبية الحديثة، تضم جهاز “بيتْ سكانْ”، والماسح الضوئي “السكانير”، وأجهزة الإيكوغرافي، والسانتيغرافيا الخاصة بالطب النووي، والماموغرافي للكشف عن سرطان الثدي، إلى جانب تجهيزات أخرى مدعومة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتؤدي هذه الأجهزة أدوارا متكاملة إذ يسمح “بيتْ سكانْ” برصد النشاط الحقيقي للخلايا السرطانية داخل الجسم والكشف عن الأورام وانتشارها، بينما يوفر “السكانير” صورا دقيقة للأعضاء، ويساعد الإيكوغرافي على فحص الأنسجة والأعضاء الرخوة، وتستخدم السانتيغرافيا لتقييم وظائف بعض الأعضاء والكشف عن انتشار السرطان، في حين يعد الماموغرافي الوسيلة الأساسية للكشف المبكر عن سرطان الثدي.
وفي لقاء مع “الشروق”، يكشف محمد كسال، صاحب مجمع كسال للرعاية الصحية، أن أحدث أجهزة “بيتْ سكانْ” أحدثت نقلة نوعية في متابعة علاج السرطان، فبعدما كان الطبيب ينتظر عدة أشهر لمعرفة مدى فعالية العلاج الكيميائي، أصبح بالإمكان تقييم استجابة المريض خلال أسبوع أو أسبوعين فقط، ما يسمح بتعديل البروتوكول العلاجي بسرعة إذا لم يحقق النتائج المرجوة، ويوفر على المريض الوقت ويجنبه الآثار الجانبية لعلاج غير مناسب.
ويعلن المتحدث أن المجمع يستعد لاستقبال جهاز “إيكو ماموغرافي” جديد شهر سبتمبر المقبل، يدمج صور الإيكوغرافي والماموغرافي في محطة واحدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، حيث يقوم النظام بتحليل الصورتين وإعداد تقرير متكامل يرسل مباشرة إلى طبيب الأشعة، متضمنا تاريخ المريضة والمؤشرات الطبية والمناطق المشبوهة، بما يسرع التشخيص ويرفع دقته.
وفي المقابل، يحذر كسال من الانبهار غير المدروس بالذكاء الاصطناعي، معتبرا أن بعض تطبيقاته لا تتجاوز الجانب التسويقي ولا تقدم قيمة علاجية حقيقية للمريض، مؤكدا أن التكنولوجيا يجب أن تبقى أداة مساعدة للطبيب، لا بديلا عن التكوين الطبي الكلاسيكي، حتى لا يفقد الأطباء مستقبلا مهاراتهم الجراحية الأساسية، فيصبح جراح غير قادر على فتح عضو مريض وخياطته.
وعن أحدث التقنيات التي دخلت الجزائر، يكشف المتحدث عن “الثيرانوستيك”، وهي تقنية تجمع بين التشخيص والعلاج في منظومة واحدة، وتعتمد على نظائر مشعة مثل اللوتيتيوم والغاليوم لاستهداف بعض حالات السرطان المنتشر عبر حقنها في العظم، خاصة عند وجود النقائل. ويوضح أنها تقنية حديثة وصلت إلى الجزائر بشكل محدود، ورغم أنها لا تشفي المريض نهائيا، فإنها تساعد على كبح انتشار الخلايا السرطانية وإبطاء تطور النقائل، غير أن كلفتها المرتفعة وخضوع إنتاج موادها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية يحدان من انتشارها.

حلول “دي زاد” لحماية البيانات الصحية للجزائريين
غير أن النجاح في علاج السرطان لا يتوقف على استيراد أحدث الأجهزة، بل يقتضي أيضا تطوير حلول “دي زاد” لحماية البيانات الصحية للجزائريين ومنع استغلالها أو وقوعها في أيد أجنبية.
ومن هذا المنطلق، اختارت المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي تحويل انشغالات أقسام السرطان بمختلف المصالح الاستشفائية إلى مشاريع بحثية، تجمع الأطباء والأساتذة والطلبة لتطوير تطبيقات ذكية قابلة للاستعمال.
وبهذا الصدد، تكشف الأستاذة عائشة بوطرح، مديرة مصلحة التربصات بالمدرسة، في لقاء مع “الشروق”، أن الطلبة، بالتعاون مع أساتذتهم وأطباء المؤسسات الاستشفائية، طوروا حلولا تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد مواقع أورام الدماغ بالشراكة مع المستشفى الجامعي “فرانس فانون” بالبليدة، كما يعملون مع مركز “بيار وماري كوري” على مشروع للكشف المبكر عن سرطان الثدي من خلال تحليل صور الماموغرافي، وإعداد تقرير يساعد الطبيب على اتخاذ القرار العلاجي بسرعة ودقة.
وتوضح أن بعض هذه المشاريع دخل مرحلة التجريب داخل المستشفيات، بينما يستغرق إنجاز المشروع الواحد نحو تسعة أشهر، بمشاركة طالبين تحت إشراف أستاذ من المدرسة وآخر من المؤسسة الاستشفائية، مؤكدة أن توسيع الوصول إلى قواعد البيانات الطبية سيفتح المجال لتطوير حلول أكثر دقة وابتكارا مستقبلا.
من جهته، يؤكد مدير المدرسة، البروفيسور مليك بشير، لـ”الشروق”، أن أكثر من 60 بالمائة من مشاريع الطلبة تعالج مشكلات وطنية حقيقية، في محاولة لتحويل الذكاء الاصطناعي من أفكار داخل القاعات إلى حلول طبية جزائرية تنقذ المرضى داخل المستشفيات.

من يتحمل المسؤولية الطبية والأخلاقية إذا أخطأ الروبوت؟
ومع اقتراب وصول روبوتات “توماي”، يبرز سؤال يفرض نفسه، إذا وقع خطأ في أثناء العملية، من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب أم الروبوت؟ ويحسم رئيس المجلس الوطني لعمادة الأطباء الجزائريين، الدكتور محمد بقاط بركاني، هذا الجدل، مؤكدا في تصريح لـ”الشروق” أن المسؤولية الطبية والأخلاقية تقع كاملة على عاتق الطبيب، لأن الروبوت والذكاء الاصطناعي لا يتخذان القرار، وإنما يساعدان الجراح على أداء عمله بدقة أكبر.
ويوضح أن قرار إجراء العملية، واختيار التقنية المناسبة، وتقييم حالة المريض، والاستمرار في التدخل الجراحي أو تعديله، كلها قرارات يتخذها الطبيب وحده، بناء على الفحص السريري وخبرته المهنية.
ويضيف أن استخدام الروبوت لا يغيّر قواعد المسؤولية الطبية، فالجراح الذي يتحمل مسؤولية العملية التقليدية أو جراحة المنظار، يتحمل المسؤولية نفسها عند الاستعانة بالروبوت، لأنه يبقى المتحكم في جميع مراحل التدخل، بينما ينفذ الروبوت الأوامر التي يوجهها إليه الطبيب بدقة عالية.
ويرى المتحدث أن الذكاء الاصطناعي يمثل مكسبا علميا وتقنيا مهما، سواء في تحسين جودة الصور الطبية أم دعم دقة بعض التدخلات، لكنه لا يمكن أن يعوض الفحص السريري أو الخبرة الطبية، لأن الطب سيبقى ممارسة إنسانية تقوم على التقدير السريري وتحمل المسؤولية، لذلك وجود طبيب احتياطي في غرفة العمليات ضرورة.
وأشار بركاني إلى أن نجاح هذه التقنيات يقتضي أيضا تكوين مختلف مستخدميها من أطباء وممرضين وتقنيين وأخصائيي أشعة، إلى جانب تحسيس المرضى والمواطنين بمزاياها لتعزيز الثقة فيها وتقبلها، مؤكدا أن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، تبقى أداة في خدمة الطبيب، بينما يظل القرار الطبي والمسؤولية الأخلاقية والقانونية بيد الإنسان.
في النهاية، تعود الناجية من الورم الخبيث، نسيمة كريبع، لتقول لـ”الشروق”: “قد لا يهمني، كمريضة سرطان، أن أعرف اسم الخوارزمية أو نوع الروبوت الذي سيعالجني، لكن ما يهمني حقا، أن أسمع طبيبي يقول: اكتشفنا الورم مبكرا، ثم يبتسم وهو يخاطبني: مبروك… فقد شفيت تماما”. ولأجل هذه الكلمات، تشتغل الدولة الجزائرية ليل نهار، ليصبح هذا الأمل أكثر من مجرد أمنية.

أرقام لا بد من معرفتها
60 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنويا.
5 روبوتات جراحية “توماي” تدخل الجزائر.
5 مستشفيات ستستقبل الروبوتات.
360° مدى حركة ذراع الروبوت.
90 بالمائة دقة بعض نماذج الذكاء الاصطناعي في رصد آفات سرطان الفم.
سرعة إنترنت الجيل الخامس 10 مرات أعلى من الجيل الرابع.
45 مليار سنتيم السعر التقريبي للروبوت الجراحي.
70 بالمائة خفض محتمل في تكاليف المراحل الأولى لتطوير الأدوية.
60 بالمائة من مشاريع طلبة المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي موجهة لحل مشكلات وطنية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!