الرأي

تونس‮ ‬الخضراء‮ ‬في‮ ‬موقد‮ ‬نار

صالح عوض
  • 4117
  • 3

لم يكن الشيخ راشد الغنوشي يدرك ما هنالك وهو ينزل من الطائرة في تونس في أعقاب هروب زين العابدين.. تراءت لزعيم حركة النهضة صورة الخميني وهو ينزل من الطائرة وتحمله أكف الملايين من الايرانيين ليستقر به الأمر في رأس السلطة في ايران.. كانت الكلمات التوجيهية تتمثل في شخصية الغنوشي كزعيم روحي لحالة التغيير القادمة، وهنا افترق السياسي عن الفكري في شخصية الغنوشي.. وتقدمت جماهير حركة النهضة في ظل انهيار النظام لتشغل الفراغ، وبالفعل سيطرت النهضة على المجلس التأسيسي وعلى الحكومة وبطريقة مسرحية عينوا رئيسا للدولة من حزب علماني‮ ‬فاقد‮ ‬الصلاحيات‮ ‬وجرعوه‮ ‬غصص‮ ‬المرار‮ ‬في‮ ‬تجاوزهم‮ ‬لقراراته‮ ‬وتصرفهم‮ ‬بعيدا‮ ‬عن‮ ‬إرادته‮.‬

في التجربة القصيرة لحكم حزب النهضة التونسي تجلت اخطاء منهجية على صعيد التوجهات الاقتصادية والسياسية والثقافية، واظهرت الحركة من البراغماتية ما أفقدها هويتها ولونها، الا ان هذا عزز نفوذ السلفيين الذين تولدوا في تونس كرد فعل طبيعي على فراغ مساحة التدين في المجتمع‮ ‬التونسي‮ ‬وانشغال‮ ‬الحركة‮ ‬الاسلامية‮ ‬بالمكاسب‮ ‬الحزبية‮.‬

لم تدرك قيادة النهضة أن المسالة ليست فقط إدارة دواليب الدولة، فهذا مع اهميته لا يشبع بطونا خاوية ولا يحل مشكلات بطالة، فالمسألة بحاجة إلى رؤية اقتصادية تحرر تونس من هيمنة اقتصاد السياحة وثقافتها.. المسألة بحاجة إلى الاقتراب عميقا من هموم الفقراء ووضع تصورات عملية وممارسة ما يرجع بالنفع على الناس.. وبدلا من ذلك، اظهرت قيادات النهضة تشوقا غير عادي للسلطة وامتيازاتها.. وبدا الاستوزار نهجا ولجته كل الرموز الكبيرة في النهضة بلغت شناعته ان جيء بصهر الغنوشي وهو صحفي بالجزيرة ليصبح وزير خارجية لتونس ويصبح ملاحقا بتهم‮ ‬عديدة‮.‬

السلفيون الذين يرون في سلوك النهضة ميوعة وغياب جدية في مسائل الشرع وجدوا ان عليهم النزول إلى الشارع، فما كان من آلاف الشباب الا الانضواء تحت مطالب السلفيين التي تبدو اكثر وجاهة من شعارات النهضة.. وفي مقابل السلفيين، تميزت القوى العلمانية العريقة في تونس تحذر‮ ‬من‮ ‬حكم‮ ‬الاسلاميين‮ ‬ومن‮ ‬انهيار‮ ‬البلد‮ ‬اقتصاديا‮.‬

تونس التي كانت تبدو ساكنة مستقرة لعهود طويلة تمر الآن بحقل من النار والألغام، ورغم محاولة الجبالي إخراج تونس من قبضة النهضة، الا ان الحالة التونسية اكثر تعقيدا من ذلك انها بحاجة إلى هدوء تفكير وتصور علمي لإخراج تونس من كارثة اقتصادية واجتماعية، وهذا لا يتأتى الا بخروج القوى الحزبية الكبيرة وعلى رأسها حركة النهضة من السلطة التنفيذية وتقدم رجال بمواصفات علمية واخلاقية جامعة لحكومة تضع نصب اعينها كل التونسيين ومستقبل تونس، ولعل صرخات الشيخ عبدالفتاح مورو جاءت تعبيرا عن مدى الخوف من المجهول في مستقبل تونس.

مقالات ذات صلة