الرأي

ثلاثية “التفوّق.. القرآن.. التديّن”

سلطان بركاني
  • 830
  • 0

مع إعلان نتائج بكالوريا هذا العام، وظهور أسماء المتفوّقين الأوائل على مستوى الجزائر، انطلق العلمانيون يسلقون الغيورين على هوية أمّتهم بألسنة حداد أشحّة على الخير؛ زاعمين أنّ نتائج هذا العام تثبت أكذوبة أنّ حفظة القرآن الكريم وخريجي/منتسبي المدارس القرآنية، هم من يصنع التفوّق ويستأثر بالمراتب الأولى!

هؤلاء العلمانيون لا تروج لهم بضاعة إلا بالتدليس وقلب الأمور! ينسبون إلى خصومهم الذين هم -في الغالب- المنافحون عن هوية الأمّة ومكانة الدّين في الحياة، أقوالا ما قالوها ولا اعتقدوها، أو قالها بعض جهلتهم ومتحمّسيهم ولكنّ العلمانيين يعمّمونها في حقّ من يصفونهم عادة بـ”تجّار الدّين” أو “الإسلاميين”! ليتوصّلوا إلى نبز الغيورين على دينهم بترويج الدّعاوى الكاذبة! بينما حقيقة الأمر أنّ الكذب ثابت في حقّ العلمانيين الذين يصنعون الكذبة، ثمّ ينسبونها إلى خصومهم!

لم يقل أحد من العلماء أو الدّعاة أو الأئمّة إنّ كل المتفوقين في الامتحانات الرّسميّة من دون استثناء هم من حفظة القرآن الكريم وخرّيجي المدارس القرآنية. وإنّما العلمانيون، هم من كانوا يزعمون زورا أن التدين من أسباب التخلف والفشل الدّراسيّ، وأن تلاميذ المدارس القرآنية والمعربين ضعيفو المستوى! فكان المنافحون عن هوية الأمّة يردّون في كلّ مرّة بتعداد نماذج لطلبة متفوقين يحفظون القرآن، وطالبات محجبات يتصدرن الترتيب.. ما يدلّ على أنّ التدين ليس سببا في ضعف المستوى كما يزعم العلمانيون.. ونحن لو تتبّعنا قوائم المتفوقين في الامتحانات الرسمية خلال السنوات الأخيرة، فإنّنا نجد أنّ ثلثيهم -بالتقريب- لهم علاقة بالقرآن والتديّن، ولن نجد أيّ نماذج عمّا يتمنّاه العلمانيون ويرجُونه؛ ذلك الصّنف من الطلاّب المتفوّقين المنبتّين عن هوية أمّتهم المتنكّرين لها، فحتّى المتفوّقون الذين لا يحفظون شيئا من القرآن ولا ينتسبون إلى المدارس القرآنية، نراهم يتكلّمون بلسان الأسر الجزائريّة المتديّنة بفطرتها، وقد تابع الجميع كيف أنّ صاحب المرتبة الأولى على مستوى الوطن، هذا العام، يُرجع الفضل الأوّل في نجاحه لله الواحد الأحد، ويتكلّم بلسان عربيّ مبين، ولا يظهر أيّ ميل إلى الاهتمام بالمظاهر المستغربة التي يلهث خلفها كثير من شبابنا؛ فهو باختصار نموذج للطالب المتشبّث بفطرته الحامل عقيدة أمّته، وليس شرطا بعد ذلك أن يكون حافظا للقرآن أو منتسبا إلى مدرسة من المدارس القرآنية.

أما من الناحية النظريّة، فالتديّن إذا كان تدينا صحيحا، فيفترض أن يكون من عوامل النجاح والتفوق، لأنه يعلي همّة صاحبه ويجعله يسعى ليقدم شيئا لأمته، ويحثه على الانضباط وحسن استغلال الوقت والبعد عن التفاهات التي تحرق الأوقات.. التدين الصحيح ليس وحده ما يصنع التفوق، لكنه لا يكون أبدا سببا للرسوب والفشل، كما يُلمح العلمانيون والملحدون ومناوئو الهوية.. التفوّق الدّراسيّ والعلميّ أهمّ عوامله الذّكاء والجدّ والاجتهاد والحرص والإصرار، وقد يكون الملحد الذي لا يؤمن بالله متفوّقا، والذكيّ المجتهد سيتفوّق حتما على المتديّن الكسول، لكنّ مضمار السّباق الذي نتحدّث عنه هو الذي يكون المتنافسون فيه متساوين في الذّكاء والاجتهاد؛ فهل يتفوّق في هذا المضمار المتديّن المرتبط بالقرآن، أم يتفوّق البعيد عن الدّين والقرآن؟ هذه هي ساحة المقارنة، وهنا يقول المنافحون عن هوية الأمّة أنّ الدّين والقرآن سيكونان عاملين إضافيين في مزيد من التفوّق، يحفّزان حاملهما على تقديم الأفضل والأجود والأكمل؛ فالتديّن يحفّزه على إتقان دراسته ويشحنه بالصّبر في المدارسة والمراجعة، وبين عينيه حديث النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم: “من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهّل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر”.. والقرآن يقوّي حافظته ويقوّم لسانه بأيّ لغة يريد تعلّمها والحديث بها.

على مستوى الواقع، لو أخذنا المدارس الثانوية في مصر مثلا، وقارنّا بين المدارس العلميّة العامّة ونظيرتها المنتسبة إلى الأزهر، فإنّنا نجد أنّ المتفوّقين في التخصصات العلمية التابعة للأزهر أكثر من نظرائهم المتفوّقين في المدارس العامّة، وهذا ما تشهد له بوضوح النّتائج المعلنة كلّ عام.. وإذا عدنا إلى الجزائر، فإنّنا نجد أنّ نسبة كبيرة من المتفوّقين على مستوى الوطن، وعلى مستوى مختلف الولايات، لهم علاقة بالقرآن والمدارس القرآنية.

عودًا على بدء نقول إنّ العلمانيين هم من عليهم إثبات دعواهم بأنّ التديّن سبب لضعف التحصيل الدّراسيّ، وأنّ منتسبي المدارس القرآنية ضعيفو المستوى أو إنّ مستوياتهم في الموادّ العلمية ضعيفة مقارنة بغيرهم! وأنّى لهم أن يثبتوا هذه الدّعوى الكاذبة الخاطئة بحقائق علمية أو إحصاءات من الواقع؛ فالحقائق العلمية لا تخدمهم، وإحصاءات الواقع تكذّب دعواهم.. أمّا المنافحون عن هوية أمّتهم، فكانوا وسيظلّون يؤكّدون على أهمية انتساب الأبناء إلى المدارس القرآنية الجادّة واهتمامهم بالتديّن الصّحيح بعيدا عن التديّن المغشوش الذي يلبس الفشل لباس التديّن.

مقالات ذات صلة