ثياب صلاح الدين..!!
قال صديقي الصحفي الجزائري الشاب:- الآن وصلنا إلى خاتمة الأعمال “الإسلامية” للمخرج السوري نجدت أنزور، وهو العمل التاريخي: “البحث عن صلاح الدين”.. ولكن قبل أن نتحدث في أمره.. أود أن أسألك عن سرّ تعلق الفنانين في المشرق العربي، بشخصية “صلاح الدين الأيوبي”.. حتى بلغ بهم أن ينتجوا عملين دراميين طويلين في سورية، وفي موسم درامي واحد (2001) عن هذه الشخصية التاريخية؟
– لا شك أن لشخصية “صلاح الدين الأيوبي” بريقاً خاصاً في تاريخ المشرق العربي، فهو السلطان الذي تصدى لأعتى هجمة استعمارية على المنطقة العربية في العصور الوسطى، المتمثلة فيما سمي بالحروب الصليبية.. وهو بطل معركة “حطين” التي حررت “القدس” منهم، وموحد الإمارات الإسلامية المتناثرة في بلاد الشام تحت لوائه المقاوم..
- كل هذا أعرفه _ يا أستاذي _ ولكنني اسأل عن سر ولع ”أهل الدراما” بهذا الموضوع..!!
– لو أجلنا الطرف في الأفق العربي، منذ مطالع الاستقلال “الشكلاني” عن الاستعمار الغربي، في منتصف القرن العشرين إلى الآن، وتفاقم الصراع مع الاستعمار الاستيطاني الجديد المتمثل في الصهيونية ومطامعها في فلسطين.. سيبدو لنا هذا الأفق شديد القتام.. عسير اليأس.. وشاعرنا العربي أبو فارس الحمداني يقول: ”وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”..!!
- وهذا “البدر الذي يفتقد”.. لا وجود له إلا في الماضي..؟؟
– سأعتبر سؤالك هذا نوعاً من باب “تجاهل العارف”.. وإلا فهل ثمة من يجهل حقيقة أن العرب في عصرنا هذا قد أدمنوا النظر إلى الوراء.. واستمرؤوا الإقامة في التاريخ القديم.. واخترعوا للفعل الماضي في لغتهم باباً جديداً هو “الفعل الماضي المستمر”..!!
- هذا ناتج _ وا أسفاه _ من عقم الحاضر، وخوائه من كل ما يؤكد حضورنا في عالم اليوم..!!
-لقد قلتها بعظمة لسانك.. وأشاركك الأسف والأسى لهذا الانسحاب “الكيفي” من الحاضر.. والدخول في نفق طويل معتم، يوفر أجواء شاعرية لسلسلة من أحلام اليقظة التي بلا جدوى.. ولكن انتبه يا صديقي.. هل بدأت (أنت وأنا) بالانزلاق من حديث الفن.. إلى حديث السياسة..!!
- أليست “السياسة” هي اليد الخفية التي تتمظهر في أشكال لا حصر لها من “القفافيز” (جمع قُفَّاز: لباس اليد)؟!!
- ما علينا يا صاحبي..
- حسن.. سألتك عن سر إنتاج مسلسلين عن “صلاح الدين الأيوبي” في موسم درامي سوري واحد؟؟
– إن القابضين على عصا “السلطان” في المرحلة الراهنة.. يبحثون عن شخصية “يتلبسونها”.. يتماهون معها.. يختبئون وراء عظمتها وبريقها.. “يضحكون” من خلف قناعها على الناس.. ويبتزون مشاعرهم الجريحة بالإشارة إلى الدواء الناجع لهذه المشاعر..!! ولم يعدم أهل الأدب والفن والفكر تبريراً لهذه النزعة النفسانية “البريئة” أو اللعبة “الخبيثة” في التطبيل والتزمير لمصطلح “الإسقاط التاريخي” لا سيما إذا تشابهت أحداث ذلك الماضي “شكلانياً” بحتاً مع وقائع اليوم.. فكأن الجميع حلف واحد “يريد” من التاريخ “أن يعيد نفسه” رغماً عن أنفه..
- وحديثك هذا.. أهو في الفن أم في السياسة..؟؟
– سمه ما شئت.. فقد بدأ هذا الاتجاه نحو صلاح الدين الأيوبي، في ذروة مصر “الناصرية”.. وانظر في “مصادفة” المشابهة بين “الناصرية” نسبة إلى جمال عبد الناصر، و”الناصر” لقب صلاح الدين الذي عرف به في التاريخ.. وقد كان ذلك في فيلم “الناصر صلاح الدين” الذي أخرجه الراحل يوسف شاهين، وشارك في كتابته صاحب جائزة نوبل نجيب محفوظ.. وقام ببطولته الممثل المتميز أحمد مظهر، ونجمة ذلك الزمن “الجميل” نادية لطفي، وكوكبة من أبرز الممثلين القديرين.. وقد جاء هذا الفيلم “فريداً” في بنائه الدرامي، وإخراجه المدهش.. وما يزال يمثل تلك “الدرة” المتفوقة على كل ما جاء بعدها من أعمال تناولت هذه الشخصية على كثرتها، وتنوعها، بين مسلسلات درامية، وأفلام وثائقية، وأفلام رسوم متحركة، رغم بساطة الأدوات التقنية التي كانت متوفرة بين أيدي صناعها في ذلك الزمن..!! مما يجسد المقولة الصادقة: “تطورت التقنية وتراجع الإنسان”..!!
– ولكن.. ماذا عن المسلسلين السوريين اللذين أنتجا في موسم واحد حول صلاح الدين الأيوبي: “صلاح الدين الأيوبي” الذي كتبه الدكتور وليد سيف، وأخرجه حاتم علي، و”البحث عن صلاح الدين” الذي كتبه محمود عبد الكريم وحسن .م. يوسف، وأخرجه نجدت أنزور..؟؟
– فتش عن سبب هذه الإزدواجية في طبيعة “العلاقة” بين الجهة المنتجة _ لكل منهما _ بالسلطان الخاص الذي كانت تريد أن “تسوّق” له، وتضفي عليه ثياب “صلاح الدين”، تكليفاً، أم تطوعاً وتملقاً وارتزاقاً!!
- وماذا عن جهد المخرج نجدت أنزور في خدمة “الإسلام” بعمله هذا..؟؟
– دعني _ أولاً _ ألخص لك جوانب الضعف الفني في هذا العمل.. فقد اختار هذا المخرج السيناريو الأضعف بينهما.. وراهن على التجديد في الشكل، من خلال المزج بين الأسلوبين: الوثائقي والدرامي.. فلم يحصد سوى عمل “مدرسي”، كانت الوثائقية فيه سرداً مباشراً خطابياً مملاً..!! ولم ترتق الدراما فيه إلى أكثر من دور “وسيلة الإيضاح” متفاوتة التأثير بين مشهد وآخر.. وليس خافياً _ وهذا هو الأمر الثاني _ أنّ النزعة التعليمية التقليدية هي من أضر الوسائل بالقضية التي تدافع عنها.. مهما عظمت..!!