-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جامعة المسيلة تُكرِّم أستاذها!

جامعة المسيلة تُكرِّم أستاذها!
أرشيف
لحسن مزراق

في أجواء يغمرها الوفاء والعرفان، احتضنت جامعة المسيلة ملتقى وطنيًا حول التحليل الرياضياتي خلال اليومين 12-13 نوفمبر خُصصت خلاله لحظات مميزة لتكريم أحد أبرز أعمدتها الأكاديمية، أستاذ الرياضيات لحسن مزراق، بعد مسيرة تربوية وعلمية امتدت لأكثر من أربعين سنة من العطاء المتواصل، عقب إحالته على التقاعد عن عمر ناهز السبعين عامًا.

في الجامعة قبل نشأتها 1985

شهدت جلسة التكريم حضور عدد معتبر من الأساتذة والباحثين والطلبة، إلى جانب زملاء الأستاذ المكرَّم الذين عبّروا عن تقديرهم الكبير لما قدّمه من جهود وإسهامات علمية وبيداغوجية كان لها أثر بالغ في تطوير قسم الرياضيات بالجامعة. وقد تخلل الحفل عرض فيديو وثائقي مدته نصف ساعة تناول أهم محطات حياة الأستاذ لحسن مزراق، بدءًا من طفولته ومسيرته التعليمية، مرورًا بمساره الجامعي الذي ارتبط بنشأة جامعة المسيلة منذ تأسيسها، وصولًا إلى عطائه الممتد عبر العقود.

عُرف الأستاذ مزراق بكونه أول أستاذ أمضى محضر التوظيف في نواة جامعة المسيلة عند افتتاح سنة 1985 معهدين تقنيين بالمدينة ليكون شاهدًا ومساهمًا في تحولها الكبير إلى مؤسسة علمية تضم اليوم أكثر من 28 ألف طالب وسبع كليات ويؤطرها قرابة 1700 أستاذ وباحث. وقد أجمع زملاؤه وطلبته على أنه مثال في الجدية والتواضع والانضباط الأكاديمي.

وتميز الملتقى بحضور ضيوف من نحو 12 مؤسسة جامعية وطنية، قدّم بعضهم محاضرات رئيسية أثرت النقاش العلمي، من بينهم الأساتذة قدور لمرابط (بومرداس)، وفازية بودهان (تيزي وزو)، وإبراهيم مزردي (أكاديمية العلوم والتكنلوجيا)، وعبد العزيز شوتري (المدرسة العليا للأساتذة -القبة)، إلى جانب عشرات المداخلات القصيرة التي تناولت موضوعات رياضياتية متنوعة.

الطاولة المستديرة

وكان الملتقى فرصة لتنظيم طاولة مستديرة شارك فيها نحو ثلاثين أستاذًا من عديد الجامعات الجزائرية، بحضور مدير جامعة المسيلة ومعاونيه الأقربين، وأدار الندوة الأستاذ دحمان عاشور، رئيس اللجنة العلمية للملتقى. وقد كانت هذه الجلسة من أكثر لحظات الملتقى إثارة من حيث الحوار وتبادل الرؤى، إذ تحولت إلى مساحة حقيقية لتشخيص واقع تدريس الرياضيات والبحث العلمي فيها، واستقراء التحديات التي تواجه الجامعة الجزائرية في هذا المجال الحيوي.

استهلّ المتدخلون النقاش بالتوقف عند ضعف المستوى التحصيلي للطلبة في مادة الرياضيات منذ السنوات الأولى في الجامعة حيث أرجع عدد منهم هذا التراجع إلى ما وصفوه بـ “سلوكيات مؤسساتية عامة” تمسّ منظومة التعليم بأكملها، بدءًا من الإدارة الجامعية مرورًا بالأساتذة وانتهاءً بالطلبة أنفسهم. وقد أجمع المشاركون على أن المشكلة ليست بيد طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة بين مختلف الفاعلين في الوسط الجامعي، مما يستدعي مراجعة شاملة لطريقة التعامل مع العملية التعليمية ككل، من المناهج إلى التقييم والرقابة.

وفي تدخلات أخرى، طُرحت فكرة غياب مشروع وطني واضح لتطوير الرياضيات وغيرها من العلوم في الجزائر، إذ عبّر عدد من الأساتذة عن أسفهم لغياب رؤية استراتيجية تُوحّد جهود الباحثين وتربط البحث العلمي بحاجات التنمية. وأشاروا إلى أن هناك مشاريع ومقترحات عديدة رُفعت خلال فترات سابقة لتحديث تدريس الرياضيات أو تطوير مراكز بحث متخصصة، لكنها “ظلّت حبرًا على ورق”، دون أن تجد طريقها إلى التطبيق.

لغة التدريس وانشغالات أخرى

أما لغة تدريس الرياضيات فكانت من أبرز المحاور التي أثارت نقاشًا واسعًا بين الحضور. فقد لاحظ المتدخلون أن ضعف التحكم في اللغة الإنكليزية، المفروضة اليوم على الجامعة، يشكّل حاجزًا حقيقيًا أمام الأساتذة والطلبة معًا. وأشار بعضهم إلى أن استعمال أكثر من لغة في تدريس المقررات – بين العربية والفرنسية والإنكليزية – يؤدي إلى ارتباك لغوي وفكري ينعكس سلبًا على قدرة الطالب على الفهم والتعبير العلمي الدقيق. واعتبر أحد الأساتذة أن من “أسوأ ما يمكن أن يقع فيه تدريس الرياضيات هو أن نخاطب الطالب بلغات متعددة في الوقت نفسه، لأن ذلك يربكه ويضعف أدواته المعرفية على المدى البعيد”، مضيفًا أن الطالب في نهاية مساره يجد نفسه غير قادر على التعبير بلغة واحدة متماسكة في أبحاثه أو مسيرته المهنية.

كما تم التنبيه خلال النقاش إلى ظاهرة التعويض بين المواد (compensation)، التي باتت سلوكًا شائعًا بين الطلبة في مختلف التخصصات حيث يسعى كثيرون إلى التركيز على بعض المقررات التي تبدو في المتناول أو ذات المعامل الأكبر لتحسين المعدل العام، في حين يُهملون مواد أساسية تُكوِّن العمود الفقري لتكوينهم العلمي. وأوضح الأساتذة المشاركون أن هذه الممارسة في الواقع تُفرغ التكوين الجامعي من جوهره، -حتى إن بدت في ظاهرها وسيلة لتحسين النتائج- وتجعل الطالب يمر بمساره الدراسي بحدٍّ أدنى من الكفاءة. وقد دعا المتدخلون إلى مراجعة نظام التقييم البيداغوجي المعتمد حاليًا، ووضع آليات تحفيزية تشجع الطلبة على الاهتمام المتوازن بجميع المواد دون اللجوء إلى الانتقائية بين المقررات الدراسية التي تُضعف تحصيلهم المعرفي.

وفي هذا السياق، ركز أحدهم على أهمية إعادة ربط الرياضيات بالمعلوماتية خلال السنوات الأولى من التكوين الجامعي، بعد أن أدّى الفصل بين التخصصين إلى تدنٍّ واضح في مستوى الطلبة المتوجهين نحو اختصاص الرياضيات. وأشار إلى أن تطور العلوم الحديثة – سواء في الفيزياء أو الاقتصاد أو الذكاء الاصطناعي… – يقوم أساسًا على التكامل بين المنهج الرياضياتي والأدوات المعلوماتية، وأن أي فصل بينهما ينعكس سلبًا على قدرة الطالب وتكوينه العام.

ولم تخلُ الطاولة من إشارات إلى أبعاد أخرى في التكوين البيداغوجي والبحثي، إذ شدّد عدد من المتدخلين على ضرورة أن يكون طالب الرياضيات منفتحًا على العلوم المجاورة مثل الفيزياء والمعلوماتية والاقتصاد والبيولوجيا، ليستلهم منها أفكارًا وتطبيقات تُساعده على توظيف أدواته الرياضياتية في حل مشكلات واقعية بدل أن يظل حبيس “الرياضيات من أجل الرياضيات”.

وفي محور آخر، دعا أحد الأساتذة إلى إنشاء وكالة للنخبة وأثار قضية طلبة المدارس العليا الوطنية بسيدي عبد الله، متسائلًا ما إذا كانت البيئة الجامعية والإدارية والوظيفية قادرة على أن توفّر لهم الظروف الكفيلة بتوظيف معارفهم في مواقع تناسب كفاءاتهم، معتبرًا أن الاهتمام بهذه الفئة النخبوية ضرورة لبناء نواة قوية للبحث العلمي الوطني وتطوير تدريس العلوم الأساسية، وفي مقدمتها الرياضيات.

ومن النقاط اللافتة التي طُرحت أيضًا مسألة ترتيب أسماء المؤلفين في بحوث الرياضيات المنشورة في المجلات المحكمة حيث ذكّر أحدهم بأن العُرف في الرياضيات يعمل بالترتيب الأبجدي لأسماء الذين يشتركون في نفس المقال بغض النظر عن دور كل منهم في إنجاز العمل، وهو ما ميّز الرياضيات عن غيرها من التخصصات. غير أن متطلبات الترقية العلمية التي تُقيّم المجهود بناءً على الاسم الأول في البحث أدّت إلى تراجع هذا العُرف، رغم أن المؤتمر الدولي للرياضيات كان قد دعا سنة 2006 إلى احترامه حفاظًا على روح التعاون في النشر الرياضياتي.

عرف هذا الملتقى نجاحا مستحقا وتنظيما راقيا وتعاونا متميزا بين القائمين عليه؛ وقد ترأسه الأستاذ عبد الحميد طلاب الذي عبّر عن سعادته بهذا النجاح كما فعل الأستاذان دحمان عاشور وعبد العزيز هلال رئيسا اللجنتين العلمية والتنظيمية. وكان من الواضح أن الساهرين على التظاهرة كثْر بدءا من مدير القسم الرياضيات ومدير مخبر التحليل الدالي وعميد كلية الرياضيات والاعلام الآلي ونائبه ومديرية الجامعة التي رافقت التظاهرة من لحظاتها الأولى حتى الإعلان عن اختتامها… فكان لتكريم الزميل لحسن مزراق أثرا طيبا وبركة خاصة خيّمت على أجواء الملتقى، فزادت نجاحه إشراقًا، وجعلت ختامه مسكًا تتجلّى فيه معاني الوفاء والتقدير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!