جبال بابور بسطيف تتحوّل إلى متاهة للمغامرين
تعد جبال بابور بولاية سطيف قطعة أمازونية تستدرج المغامرين قبل أن تتحول إلى متاهة حقيقية، حيث تختلط روعة الطبيعة بوعورة المسالك وتقلبات الطقس التي لا ترحم من ضباب وثلوج وبرد وزخات المطر، وحرّ ونار أحيانا. هنا، في هذه المرتفعات الواقعة شمال سطيف، تتكرر قصص الضياع والإنقاذ، وتتجدد التحذيرات في كل موسم، بينما تبقى السياحة الجبلية في المنطقة حبيسة المبادرات الفردية، وللمغامرين طقوس هم أنفسهم لا يعرفونها.
ففي الأيام الأخيرة، عاش 4 شبان تجربة عصيبة بعد ما غامروا بصعود أعالي بابور بغرض الاستمتاع بيوم من التجوال والتخييم. انطلقت رحلتهم بحماس، لكنها انتهت في أدغال كثيفة حاصرتهم لساعات، بعد ما باغتهم الطقس بأمطار ورياح وبرودة شديدة جعلت العودة شبه مستحيلة. ومع اشتداد الظلمة، ازدادت الحيرة وارتفع التوتر.
وما زاد الأمر تعقيدا أن أحدهم أصيب على مستوى الركبة، ما جعل الحركة أصعب. وسط المنحدرات والضباب، حاول الشبان تتبع أثر الطريق الذي صعدوا منه، لكن من دون جدوى. وفي حدود الثامنة صباحا، تحركت فرق الحماية المدنية لوحدة بابور بقيادة رئيسها، بمعية عناصر الدرك الوطني والجيش الوطني الشعبي، وبحضور رئيس دائرة بابور ورئيس المجلس الشعبي البلدي، حيث تمت الاستعانة بأحد أبناء المنطقة، كدليل، قاد عملية التمشيط وصولا إلى تحديد موقع الشبان. وبعد ثلاث ساعات من البحث في تضاريس معقدة ومسالك شبه منعدمة، تم العثور عليهم وإنقاذهم، واستقبالهم في حالة إنهاك واضحة قبل نقلهم إلى العيادة الصحية لتلقي العلاج اللازم. لحظة الإنقاذ كانت مؤثرة، امتزج فيها الخوف بالراحة وارتسمت على وجوههم ابتسامة النجاة من مصير مجهول.
ساعات رعب وسط الأدغال
هذه الواقعة تعيد للأذهان ما حدث قبل ثلاث سنوات حين وجد ثلاثة شبان آخرين أنفسهم عالقين في الجبل ذاته، بعد ما باغتهم تساقط الثلوج بغزارة أثناء رحلة بدت في بدايتها ممتعة. علقوا لساعات داخل سيارتهم المحاصرة بالبياض، واضطروا إلى الانتظار حتى ساعات الفجر بعد تدخل الدرك الوطني والحماية المدنية والسلطات المحلية. كانت مشاهد لقاء فريق الإغاثة بالنسبة لهم لا تُنسى، فقد شعروا فعليا بأنهم خرجوا من بين أنياب الخطر.
ولسوء الحظ، لم تتوقف الحوادث عند هذا الحد. فقبل مدة، عاش شاب من مدينة العلمة قصة لا تقل خطورة، بعد ما صعد بمفرده إلى جبال بابور، فتاه بين الأدغال وفقد قدرة العودة. نفدت بطارية هاتفه مع اقتراب الليل، وازدادت الأمور رهبة عندما بدأ يسمع أصوات الحيوانات المفترسة، ذئاب وضباع وخنازير. اضطر للصعود فوق شجرة والتشبث بأغصانها، متمسكا بحياته حتى عاد هاتفه إلى العمل لثوانٍ فقط، تمكن خلالها من الاتصال بصديقه الذي أخطر الحماية المدنية والدرك الوطني. وتم إنقاذه في اللحظات الأخيرة من موت محقق، كان ما لديه من طعام ومن شحن لهاتفه قد نفد.
من جهتنا، التقينا السيد سليم وهو أحد أبناء المنطقة ممن يعرفون تضاريس بابور شبراً بشبر، فيقول في تصريح للشروق اليومي أن دخول هذه الأدغال من دون استعداد كافٍ يشبه الدخول في متاهة طبيعية لا ترحم المتهاونين. ويضيف أن الزائر مطالب أولاً بالتزود بالعتاد المناسب، من ملابس دافئة ومؤونة وأجهزة تحديد الموقع، مع ضرورة الإطلاع على النشرة الجوية قبل أي رحلة. كما يشدد على أهمية الاستعانة بدليل محلي يعرف المسالك الحقيقية للجبال، لأن كثافة الأشجار وتشابك المسارات يمكن أن يضللا حتى أكثر المتمرسين. فبابور، رغم سحره الأخاذ، يحتاج تعاملاً حذراً وانضباطاً في كل خطوة اتقاءً لأي ضياع أو مخاطر غير متوقعة.
قطعة جبلية نادرة تبحث عن رعاية سياحية
ورغم هذه المخاطر، تبقى جبال بابور واحدة من أجمل الوجهات الطبيعية في الجزائر. إنها قطعة أمازونية بكل المقاييس، غاباتها كثيفة، أشجارها شاهقة بنقاء بدائي نادر منها التنوب النوميدي، هذا الكنز البيولوجي الذي لا يوجد إلا هنا وبعض المناطق القليلة في العالم، يقف شامخا وسط الأرز الأطلسي والفلين والبلوط. وفي فضاء هذا الجبل يعيش طائر نادر اسمه كاسر الجوز القبائلي، يختبئ بين ظلال الأشجار وكأنه يحرس هذا التراث الطبيعي.
أصبحت جبال بابور وجهة مفضلة للعائلات والشباب وهواة السياحة الجبلية والمشي بالعصا، وعندما تسقط أولى حبات الثلج في شهر ديسمبر، بالهضاب العليا، يصبح اسم “بابور” ترند، العائلات والمغامرين. غير أن أغلبية الزيارات تكاد تقتصر على مقدمة الجبال مع تجنب الغوص في الأعماق خوفا من الضياع. جمال المكان يقابله واقع صعب بحاجة إلى مرافق ومطاعم وتوجيه سياحي، ومسالك مجهزة أو لوحات إرشادية، فالطريق وعر ومهترئ، والزيارة تحتاج إلى شجاعة ومساعدة من أبناء المنطقة الذين يعرفون تضاريس الجبل.
في جولة ميدانية، تظهر تفاصيل زوار ينصبون جلساتهم تحت الأشجار العملاقة، والشباب يواصلون الصعود إلى أعالي المنطقة، حيث يمكن رؤية السحاب من تحت القدمين، مشهد يخطف الأنفاس. هنا، تختلط الألوان الثلاثة: الأبيض والأزرق والأخضر، فتبدو الصورة كأنها لوحة رسمتها الطبيعة بحس فنان.
غير أن هذا الجمال البصري لا يعفي من المخاطر. فالمغامرة في بابور تحتاج إلى استعداد كامل، وحذر دائم من الحيوانات والضياع. وهي نصائح يرددها السكان المحليون الذين يشهدون مرارا على حوادث التيهان والإنقاذ.
ويبقى السؤال: هل سيتحول هذا الجبل الفريد إلى قطب سياحي منظم، وهل سينتبه المسؤولون إلى القيمة الكبرى التي يحملها بابور، ليس فقط كفضاء طبيعي، بل كفرصة اقتصادية وسياحية، فالمنطقة مازالت عذراء، تنتظر مشاريع تليق بجمالها النادر. حتى ذلك الحين، ستظل جبال بابور قبلة لعشاق المغامرة، ومسرحا لحكايات لا تنتهي بين زوار يتبعون طريق السحاب وطبيعة لا تقاوم.