الرأي

جرائم السياسة والمال في الجزائر؟

كيف اختفت أموال الثورة الجزائرية التي كانت مودعة في البنوك السويسرية؟ ولماذا تمّ التستر عنها بعد استرجاع السيادة الوطنية؟ وما علاقة الاغتيالات في عهدي الرئيسين هواري بومدين والشاذلي بن جديد بالسياسة والمال؟ أسئلة تفترض الإجابة عنها كثيرا من الحذر وقليلا من الجرأة فهل تكون إجابتها مختصرة؟

خيضر تقتله أموال “صندوق التضامن”؟

محمد خيضر واحد من الزعماء الخمسة الذين اختطفتهم فرنسا في 22 أكتوبر 1956 في أول قرصنة جوية في العالم، حيث قامت بتحويل طائرة مغربية متجهة من المغرب إلى تونس وأجبرتها على النزول في الجزائر المحتلة، ويقول عمر بوداود في مذكراته بأنه كان في توديع حسين آيت أحمد وأحمد بن بلة ومحمد بوضياف ومحمد خيضر ومصطفى لشرف، أثناء صعودهم إلى الطائرة فنزولهم بعد لحظات منها للركوب في طائرة أخرى للخطوط الجوية الملكة المغربية، وأنه قال لمحمد خيضر: “إنكم تمنحون فرصا من ذهب للمخابرات الفرنسية فهل أنت مسلّح على الأقل؟”، ويؤكد بأن خيضر رد عليه: “نعم”، وهو يبدي له مسدسا تحت إبطه، وأضاف بوداود معلقا: “ضحكنا معا غير أن الذي ضحك في نهاية المطاف، بعد ساعات هي قيادة أركان الجيش الفرنسي في مطار الجزائر” (المذكرات صفحة 92)، وتشكلت الحكومة المؤقتة برئاسة فرحات عباس في 19 سيبتمبر 1958م وفيها أسماء السجناء الخمسة باستثناء المفكر مصطفى لشرف، وكان منصب خيضر هو “وزير دولة”، وحتى في حكومة بن يوسف بن خدة حافظ على هذا المنصب.

وأطلق سراح هؤلاء الزعماء يوم 19 مارس 1962م ليقود زعيمهم أحمد بن بلة انقلابا على الحكومة المؤقتة التي كان عضوا فيها، وبدأت المشاكل تطفو بين الزعماء الخمسة، ووجد حسين آيت أحمد ومحمد خيضر نفسيهما مطاردين من زملائهما ومبعدين إلى المنفى، وكانت النهاية بالنسبة لمحمد خيضر هي اغتياله في 3 جانفي 1967م، فهل كان اغتيالا سياسيا أم ماليا وهو الذي كان مسؤولا على “صندوق التضامن”؟.

يقول نجله طارق خيضر- في رسالة وجها إلى الرأي العام الجزائري بمناسبة الذكرى 45 لاغتياله الموافقة لـ 3 جانفي 2012م- بأن والدته التقت عام 1970م الرئيس هواري بومدين وسلّمت له كل الوثائق المتعلقة بأموال هذا الصندوق، وأن وصول الرئيس الشاذلي بن جديد إلى الرئاسة عام 1979م مكّن الجزائر من طي هذا الملف باسترجاع الأموال وإنهاء الخلاف بين السلطة والعائلة .

غير أن المتتبع لهذا الملف بدءا من ملف مجلة (الوطن العربي) في عهد الشاذلي بن جديد وما كتبه “ع.س” أنذاك حول الموضوع ومرورا بردود أفعال السلطة الجزائرية آنذاك وانتهاء بمجموعة الاغتيالات في أوساط المعارضة يخيل له أن الملف لم يطو، فلماذا لم تكشف السلطة الحقيقية للرأي العام؟ ولماذا اتهم علي بن فليس رئيس الحكومة الأسبق “أطرافا معينة” بوجود أموال الصندوق لديها ؟ .

أما الحديث عن اختفاء ودائع الذهب والفضة والأموال التي تبرع بها المواطنون والمواطنات في الولايات الست للثورة الجزائرية فإنه يبقى ملغما لأننا لا نستطيع الوصول إلى الحقائق بحكم الصراعات التي كانت بين القيادات، فأين هو دور المؤرخين والباحثين للكشف عن المستور منها ؟.

إذا كان البعض يربط اغتيال محمد خيضر بأموال صندوق التضامن فإن اغتيال كريم بلقاسم الذي تقلد منصبي وزير الدفاع ووزير الخارجية يبقى لغزا لأنه مرتبط هو الآخر بقضية تطلعات المعارضة للوصول إلى السلطة، في حين أن اغتيال أحمد المسيلي في عهد الشاذلي لم يكن لغزا لأن قاتله كشف الحقيقة ولكن علاقة فرنسا بالسلطة آنذاك جعلها تتستر عنه لأن المرحوم كان وراء أول تكتل حزبي بين أطراف المعارضة في الخارج، حيث جمع بين الزعيمين المعارضين لنظام الشاذلي وهما: المرحوم أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد في لندن عام 1984م.

.

لوبيات المساندة والتزوير والفساد

استطاعت قيادة “جيش التحرير الوطني” أن تتنازل عن اسمها التاريخي ليصبح اسمها الجديد هو “الجيش الوطني الشعبي” وهي بذلك حافظت على الماضي المشرف للثورة المسلحة، أما قيادة “جبهة التحرير الوطني” فإنها رفضت التنازل عنه حتى أصبح “مدنسا” بجرائم الاغتيالات السياسية التي ميّزت فترة الحزب الواحد والفساد المالي في عهد التعددية بالرغم من ارتفاع أصوات مطالبة بإحالة الاسم (جبهة التحرير الوطني) على الأرشيف من أجل الحفاظ على قيمتها التاريخية ومنها صوت المرحوم العقيد صالح بوبنيدر.

وحين أراد المرحوم عبد الحميد مهري تحريرها من النظام ومن المنظمات والاتحادات والجمعيات المندسة فيها بعد تشريعيات 26 ديسمبر 1991م، وجد نفسه في مواجهة ما يسمى بـ “المؤامرة العلمية”، وحاول العقيد علي كافي أثناء رئاسته لمنظمة المجاهدين أن يغيّر اسمها حتى يحافظ على إرثها الثوري بحيث سعى لأن تكون “جبهة متجددة” متشكلة من الأسرة الثورية إلى جانب أكثر من 30 جمعية وطنية، إلاّ أن رئاسته لمجلس الدولة لم تمكنه من ذلك.

ولكن السلطة في عهد الرئيس السابق اليمين زروال استطاعت أن تحول “مشروع علي كافي” إلى “لوبي” لمواجهة المعارضة الممثلة في الجبهات الثلاث (جبهة التحرير _ جبهة القوى الإشتراكية _ جبهة الإنقاذ) بحيث احتضنت الرئاسة هذا اللوبي لتشكل منه حزبها الجديد وهو “التجمع الوطني الديمقراطي” الذي صار له أب جديد هو الجنرال محمد بتشين، وبذلك تداخل السياسي مع المدني وأصبح من الصعب التفريق بينهما.

وجاءت تشريعيات 1997م لتضع اللبنة الأولى لميلاد “مؤسسة تزوير الانتخابات في الجزائر” فالحزب الذي ولد قيصريا صار ذا أغلبية، غير أن تقليص الرئيس لعهدته جعل الحزب ينتقل عام 1999م من أيدي المصالح إلى أيدي الجهاز الإداري وتمكّن أحمد أويحيي من الهيمنة عليه.

واليوم بعد استقالات كل من سعيد سعدي من حزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” والدّا حسين من “جبهة القوى الإشتراكية” جاء دور أحمد أويحيي حتى لا يقع له ما وقع لعبد العزيز بلخادم وهو محاكمته من طرف المنشقين عنه، وكل هذه السيناريوهات التي تدعمت بتجديد الثلث الرئاسي في مجلس الأمة بـ”بقايا حكومة أويحيي” مؤشر واضح على وجود خلاف حول الدستور والمرشح لرئاسيات 2014م.

مقالات ذات صلة