جرائم لا تسقط بالتقادم.. وثورة لا تموت !
هو عدد خاص، هو الآخر وليس الأخير.. فرضته هذه المرة الذكرى الـ61 لاندلاع الثورة التحريرية الكبرى.. هكذا هي “الشروق”، حاضرة ببصماتها وتميّزها في المنعرجات الهامة والمصيرية.. عدد خاص مشبّع بالشهادات والتضحيات والمذكّرات والذكريات الجميلة و”التعيسة” أيضا.
مجاهدون وثوريون ينقلون وقائع لـ“جيل الاستقلال” ولجماعتهم من “الخاوة” و“جيل الثورة” ومن سمتهم فرنسا بـ “الفلاڤة“، وحاولنا قدر المستطاع، أن نجمع شمل “العائلة الثورية” في هذا العدد، لتنقيب أمجاد ثورة لا تموت بموت الرجال، فركّزنا على الثورة المسلحة، والثورة الشعبية، وأيضا الثورة السينمائية، وعدنا إلى الجراح عبر قلاع الثوار ومعاقل التعذيب والتنكيل..حتى لا ننسى.
هو جزء من تأريخ الأحداث..وهي شخصيات قليلة تكلّمت.. حاولنا فتح بقايا “العلب السوداء“، وحاولنا استنطاق الصامتين، وقرعنا أبواب المنعزلين والمعزولين، وبحثنا عن المنسيين في ربوات الجزائر العميقة، التي كانت في قلب الثورة العظمى.
عدد خاص للتاريخ وللأرشيف..هو وثيقة تحفظ التواصل بين أجيال الثورة وأجيال الاستقلال.. هو اجتهاد، إن أصبنا فلنا أجران، وإن أخطأنا فلنا أجر، والله لا يضيّع أجر المحسنين.. لكن، الباب يبقى مفتوحا، لنلمّ تاريخنا، بجمع شتات المذكرات والشهادات والحقائق والوثائق، بعيدا عن الإساءة والتشكيك والتشويه والتحريف والتلطيخ.
قليل القليل من الأحياء والأموات، من تكلّم، وفكّ عقدة لسانه، وكثير الكثير من مازال يبرّر صمته تارة بواجب التحفظ، وتارة بتجنّب نبش الجراح وقلب المواجع والضغائن المخفية وإيقاظ الأحقاد وتصفية الحسابات النائمة والمهرّبة من سراديب صناعة الثورة.
نعم، من يقرأ التاريخ لن يتسلّل اليأس أبدا إلى فؤاده.. فعدد “الشروق” اليوم، هو التفاتة جريئة إلى الماضي، رؤية مدبلجة بكلّ اللغات إلى الوراء، نظرة استراتيجية إلى المستقبل، استشراف مدروس نحو المستقبل.. فلتبق هذه “الوثيقة” التاريخية محاولة للإفادة والاستفادة والإعادة.
يتألـّم البلد كثيرا، ونتوجّع معه، ونتذوّق مرارة دفن التاريخ حيّ يُرزق، عند رحيل صنّاع هذا التاريخ، وانتقالهم إلى جوار ربّهم، دون أن يدلوا بما يعلمون من خبايا وخفايا تنفع ولا تضرّ.. ولذلك، على الأحياء من “جيل الثورة” أن ينتفضوا لتدوين شهاداتهم حتى لا يأتي على أجيال الاستقلال أيام لا يجدون فيها من يسألون وعند من يحتكمون الحقيقة.
الجزائريون بحاجة إلى “شهود حقّ“، حتى لا ينطق “شهود الزور“، وحتى يخرس الانتهازيون وسماسرة التاريخ، وحتى “لا يكره” أبناء جويلية ما يشهد به أبناء نوفمبر في محكمة التاريخ العادلة، حفاظا على مدوّنة مقدسة ومشرفة تؤكد أننا جميعا بن مهيدي وزيغوت وديدوش وعميروش وبن بولعيد ولابوانت، وقبلهم الأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة وغيرهم لا يعدّ ولا يُحصى من الأبطال والشهداء الأبرار.
أحيانا، التاريخ يُؤلم، والحقيقة تـُبكي، لكن الأسرار وإن “تحاملت” أو “تطاولت” في جزء منها، فإنها لن تنقص من قيمة وبطولة رجال قضوا نحبهم ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.. ومهما قيل وسيُقال، لن تهزّ الشهادات مهما كانت، أوزانا ثقيلة صنعت التاريخ وفجّرت الثورة ونجحتها، ومن هؤلاء بوضياف وبيطاط وبومدين وآيت أحمد وخيضر وبوصوف وكريم بلقاسم والصديق بن يحيى وعبان رمضان ومسعود زقار.. وغيرهم في “مجموعة الـ 22″ و“مجموعة الـ6″.
نعم، لكلّ ثورة صناع ومهندسون وشهداء وأبطال وضحايا.. وأحيانا “الثورة تأكل أولادها”، ليس كُرها أو حقدا أو انتقاما، وإنـّما ربما اعتقادا منها أنها حماية وتحصين لهم (..).. وحتى إن كان هناك من يقوم بالثورة ومن يستفيد منها، وقد يصدق من قال “أن تعيش الثورة أمر أكثر متعة وإفادة من الكتابة عنها”.. وهاهم جيلا الثورة والاستقلال معا، مايزالون ينتظرون اعترافا واعتذارا عن جرائم استعمارية لا تسقط بالتقادم، مثلما يُحاول أحفاد بيجار وأوساريس وديغول وموريس بابون وماسو وكلّ السفاحين، التسويق لنظرية “الأبناء لا يعتذرون عن أخطاء الآباء”.. ونحن نردّ: الأبناء لن يتنازلوا عن “دم” الآباء.