جراد غريب يجتاح ولاية سطيف ويثير استغراب السكان
تعرف ولاية سطيف، هذه الأيام، غزوا عشوائيا للجراد الذي اجتاح المناطق الفلاحية والحضرية، مخلفا حيرة وسط الفلاحين والمواطنين بصفة عامة، مع تأويلات متنوعة لهذا الانتشار المفاجئ، الذي يعتبره البعض بمثابة تحرك لسرايا متقدمة تحضر لهجوم مرتقب مجهول العواقب.
هذا الجراد شوهد في الأماكن العمومية، وفي شوارع المدن والحدائق وفي المناطق الفلاحية عبر تراب ولاية سطيف. ويبدو من الوهلة الأولى أن الأمر يتعلق بجراد صغير الحجم، يتميز بلونيه الأخضر والبني لا علاقة له بالجراد الأصفر الكبير الذي اعتاد في سنوات ماضية على التهام النباتات وتحويل الى الأرض الى عصف مأكول.
فالأمر حسب الملاحظين يتعلق بجراد مسالم، ويؤكد المختصون أنه جراد محلي غير مهاجر، وهو ابن المنطقة ولن يتنقل إلى جهات أخرى والظاهر أن انتشاره محدود.
وقد أصبح الجراد حديث المقاهي ومختلف الجلسات الرجالية والنسوية، وكل واحد يدلو بدلوه في هذا الموضوع، فمنهم من يعتبره أمرا عاديا، وآخرون يربطونه بالغبار الصحراوي، الذي انتقل الى الشمال. أما بعض المحللين فيفسرون انتشاره بنقص بعض الطيور التي اعتادت على أكل هذه الحشرة والحد من انتشارها.
بعض المحللين الشواذ اعتبروا هذا الغزو عقابا للفلاحين والموالين، الذين رفعوا أسعار الأضاحي والخضر أيام العيد. ويقول أحدهم بعد المرض الجلدي الذي أصاب الماشية، جاء الدور على الجراد ليعاقب الفلاحين على حد قول سليط اللسان. وهناك رأي شاذ آخر يدعو إلى استهلاك الجراد، وقليه باعتباره مخلوق نباتي غير ضار وبالتالي يمكن أكله مثل المكسرات.
ومن جهة أخرى، ظل الجراد مصدر إزعاج لبعض المواطنين وفزع للنساء بصفة خاصة، حيث اجتاح العديد من الأحياء، ودخل إلى المنازل بشكل ملحوظ. وبالمقابل تحول إلى مصدر إلهاء لدى الأطفال الذين انشغلوا بمطاردته في مختلف الأماكن، وكذلك الحال مع القطط التي نشطت هذه الأيام في اصطياد هذه الحشرة المزعجة.
وبعيدا عن التأويلات الشعبوية، اتصلنا بالدكتور البيطري سليم ناصر من مدينة العلمة بولاية سطيف، فأكد في تصريح للشروق أن الأمر يتعلق بجراد غير ضار يتغذى على النباتات، لكنه ليس من الصنف الذي يجتاح المزارع والبساتين ويحولها إلى خراب، وهو لا يشبه الجراد الذي اجتاح بعض المناطق في الجزائر سنة 1987، والذي كان يومها جرادا ضارا للغاية، عُرف بمسحه للأخضر واليابس وإفساده للمساحات الخضراء في ظرف قياسي، وهو جراد صحراوي أتى يومها من المناطق الساخنة.
وعن أسباب ظهور هذا الجراد بشكل ملفت في الوقت الحالي، يقول الدكتور سليم ناصر أن ذلك مرتبط بظروف مناخية ساعدت على تفقيس بيض هذه الحشرة بنسبة زائدة عن المعتاد، فالأمر يقول محدثنا مرتبط بالمناخ بالدرجة الأولى، والذي ساعد على انتشار هذا الجراد المحلي الذي يتميز بالخضرة واللون البني، وبالرغم أنه يتغذى على النباتات، إلا أن مخلفاته لا علاقة لها بالجراد الأصفر الكبير الحجم. وعن سؤالنا حول الإجراءات التقنية التي ينبغي اتخاذها في هذا الشأن، يقول محدثنا أن الأمر لا يستدعي استعمال المبيدات بشكل واسع، فلهذه الحشرة دورة حياة محدودة وستنتهي عن قريب.
ولمعرفة دور الجهات المعنية، اتصلنا بمدير الفلاحة لولاية سطيف السيد محمد بولفتات، الذي يؤكد وجود انتشار غير عادي للجراد، لكن بأعداد محدودة مقارنة مع الاجتياح الذي اعتادت عليه هذه الحشرة في سنوات مضت. ويؤكد المدير أن هذا الجراد محلي وغير ضار وقد بلغ انتشاره معدل 8 حشرات في المتر المربع الواحد، ويتمركز خاصة في محيط مطار 8 ماي 45 بسطيف، أين سجل انتشار ملحوظ لهذه الحشرة، امتد حاليا إلى العديد من المناطق ببلدية عين أرنات ومزلوق وقجال، ولوحظ أيضا بأعداد أقل في سطيف والعلمة وأوريسيا وغيرها من الجهات، كما لاحظه المواطنون في المناطق الحضرية. ومن جهتها مديرية الفلاحة تطمئن الفلاحين وكافة المواطنين أن ضرر هذا الجراد محدود جدا، ولا يستحق أي تهويل، ورغم ذلك يقول السيد محمد بولفتات أن المديرية اتخذت عدة اجراءات، منها تشكيل لجنة من إطارات مفتشية حماية النباتات بالمديرية للتحقيق وتقييم حجم الخسائر ميدانيا، واستدعاء مختصين من المحطة الجهوية لحماية النباتات بقسنطينة للتدخل من أجل الحد من انتشار هذا الجراد وتحييده، مع إبقاء هذه المناطق تحت المراقبة القصوى لاحتواء المشكلة، والعمل على عدم تمكين الجراد من غزو مناطق أخرى.
وبهذه التصريحات يكون الجراد الذي اجتاح ولاية سطيف، من النوع الصديق الذي لا يتطلب أي تهويل، ورغم ذلك ظل محيرا لدى البعض ومسليا لدى البعض الآخر.