الرأي

جريمة في حقّ الجزائريين!

حسين لقرع
  • 199
  • 0

يقال إنّ المصيبة تبدأ كبيرة ثم يتراجع تأثيرُها وتصغُر بمرور الوقت، لكن يبدو أنّ هذا المثل المعروف لا ينطبق على الفرنكوفيليين الجزائريين؛ إذ لا زال قرارُ تأخير تدريس اللغة الفرنسية من السنة الثالثة إلى الرابعة ابتدائي، يُؤلمهم بشدَّة وينغِّص عليهم حياتهم، إلى درجة أنّ أحدهم كتب قبل أيام قليلة في جريدة أسبوعية فرنسية واصفا القرار بأنّه “جريمة في حقِّ الجزائريين”!

إذا كان هناك جريمةٌ وقعت في حقّ الجزائريين، فهي ما فعله بهم هؤلاء الفرنكوش منذ استقلال البلاد في 1962 إلى اليوم، فقد استماتوا في الدفاع عن اللّغة الفرنسية وعن استمرار هيمنتها غير المستحقّة على التعليم والاقتصاد والإدارة والمحيط العامّ على حساب اللغة العربية. كما عرقلوا، منذ التسعينيات، محاولات إدراج الانجليزية لغةً أجنبية أولى في التعليم، وأطاحوا آنذاك بوزير التربية علي بن محمد، لأنه شرع في إدراج الانجليزية في التعليم الابتدائي ونجحوا في إفشال تجربته وإجباره على الاستقالة في صيف 1992 عقب تآمرهم عليه وتسريب أسئلة البكالوريا آنذاك، وأبقوا على الفرنسية لغة أجنبية أولى في التعليم، ومن ثمّ فقد حرموا أجيالا كاملة من اللغة العالمية الأولى. هذه هي الجريمة الحقيقية في حقّ الجزائريين، وليس قرار السلطات تصحيح الوضع المختلّ وإعادة الأمور إلى نصابها.

اللافت في هذه المسألة التي حوّلها أيتامُ فرنسا إلى قضية حياة أو موت، أنّ جريدة “لوفيغارو” الفرنسية شعرت بضرورة نجدتهم، فنشرت في الأيام الأخيرة مقالا لم تكتفِ فيه بالبكاء على تراجع اللغة الفرنسية في المدرسة الجزائرية لحساب الانجليزية، بل أثارت أيضًا مسألة تراجع الفرنسية في المحيط العامّ، وتحديدا في اللافتات واللوحات الارشادية والاتصالات الرسمية وبعض الوثائق الإدارية، وقالت إنّ هذا التراجع في الفضاء العامّ الجزائري “يثير جدلا واسعا”؟!

والواقع أنَّ ما أثار الجدل هو تراجعُ الفرنسية في التعليم الابتدائي، واقتصر على النخب الفرنكفيلية والمعرّبة، أمّا تراجعُ الفرنسية في المحيط العامّ من لافتات ولوحات إرشادية للإدارات والمؤسسات العامّة التي أصبحت تميل أكثر إلى استعمال الانجليزية، فلا ندري أيَّ “جدلٍ واسع” هذا الذي أثارته في الجزائر ورأته “لوفيغارو” الفرنسية ولم يره جزائريٌّ واحد؟!

تعبيرُ “لوفيغارو” يعطي الانطباع بأنّ اتجاه السلطات إلى كتابة اللافتات واللوحات الإرشادية بالعربية والانجليزية على حساب الفرنسية، قد أقلق عامّة الجزائريين وأثار جدلا واسعا بينهم، وكأنّ الجزائريين مهووسون بحبّ الفرنسية ويريدون لها أن تبقى على واجهات الإدارات والمؤسسات وحتى المحلات التجارية وهم حزينون لتقلّص استعمالها في الفضاء العامّ وكذا في التعليم، في حين أنّ ذلك أحزن فقط أيتام فرنسا في الجزائر، وهم أقلية قليلة، وقد حاربوا بقوّة قانون تعميم استعمال اللغة العربية منذ صدوره في ديسمبر 1991 إلى اليوم، لأنّه ينصّ على تعريب جميع الواجهات واللافتات المنصوبة على الهيئات العمومية والخاصة، وتعريب التعليم الجامعي والإدارات والهيئات والمؤسسات، وعرقلوا تطبيق هذا القانون وتسبّبوا في تجميده إلى حدّ الساعة، كما أقاموا سرادق العزاء منذ صدور قرار تأخير تدريس الفرنسية لأطفالنا من السنة الثالثة إلى الرابعة ابتدائي، في 25 جويلية الماضي، ولم يوقفوا نحيبهم وصراخهم إلى حدّ الساعة أملا في دفع السلطات إلى التراجع عن قرارها في اللحظات الأخيرة قبل الدخول المدرسي القادم في 21 سبتمبر، أو على الأقل “ردعها” مستقبلا عن تأخير الفرنسية إلى التعليم المتوسط، وعن تدريس العلوم الدقيقة في الجامعات بالانجليزية بدل الفرنسية.

وللمرّة الألف نقول إنّ قرار وزارة التربية لا علاقة له بالإيديولوجيا كما يزعم الفرنكوش في الجزائر، بل جاء لتصحيح وضع مختلّ تسبَّب فيه هؤلاء الذين استعملوا نفوذهم طيلة ستة عقود لإبعاد الانجليزية عن منافسة الفرنسية في المدرسة الجزائرية، ومنحوها “حقّ” احتكار وضعية اللغة الأجنبية الأولى في التعليم بالجزائر، ولو استطاعوا لأدرجوها في الدستور لغة وطنية ورسمية.

قرارُ السلطات تأخير تدريس الفرنسية إلى الرابعة ابتدائي هو قرارٌ صحيح بيداغوجيًّا وعلميًّا وواقعيًّا، وجاء بعد انتظار طويل. وهنا نهيب بها مجدَّدا أن تثبت عليه في وجه هذه الهجمة الشَّرسة وغير المسبوقة التي تشنُّها فرنسا وأتباعُها في الجزائر لثنْيِها عنه قبل الدخول المدرسي؛ فهو قرارٌ سياديٌّ وشأنٌ داخليٌّ ولا يحقّ للفرنسيين مناقشتُه، وليلتفتوا إلى الوضعية المزرية للغتِهم في عقر دارها أمام اللغة الانجليزية، وكيف تنحسر أمامها من عام إلى آخر، قبل أن يتكلّموا عن تراجعها في بلدٍ استقلّ عنهم منذ 64 سنة كاملة.

مقالات ذات صلة