جزائريون يتلعثمون بلهجات شوارع الأقطار العربية
كثرت اليوم العديد من الوسائل التي تطمس هويتنا أكثر منها التي تؤسس لها، لكن المحزن وللأسف أننا نشارك بصفة كبيرة وواضحة في هذا الأمر من قصد أو من دونه، خاصة عندما نكون خارج وطننا، كان بالأحرى أن يكون الواحد منا سفيرا لبلده في السلوكيات والكلام والمعاملة، لكن للأسف ما إن تطأ أقدام الكثير من الأشخاص بلدان المهجر إلا ويتخلون عن تقاليدهم وطريقة لباسهم، والأمر هو طريقة كلامهم فتراهم يتلعثمون بلهجات تلك البلدان ويبذلون مجهودا كبيرا للنطق بها، وكأن لهجة الفرد الجزائري عار يستحي الواحد منا الحديث به أمام شعوب العالم.
من لا يتقن لغة قومه فهو سمكة نتنة
إن الحديث في هذا الموضوع يدفعنا إلى ذكر الكثير من الأمثلة في كل ميادين الحياة، شباب من ميادين مختلفة سواء الرياضية أو الإعلامية والفنية وغيرها، يتقنون لهجة الأوطان التي هجروا إليها أكثر من سكانها الأصليين، في الوقت الذي استطاع الكثير منهم ابتلاع لهجته في أول ظهور أمام الملأ وكأن الواحد منهم يريد القول لهم نحن منكم وأنتم منا، كان من الواجب على العديد منهم أن يمرر رسالة اللهجة واللغة والتقاليد والتفكير بفخر وعز، لكن للأسف هذا حال أغلب الجزائريين إن لم نقل كلهم إلا من رحم ربي، إن هذا المنصب الذي يشغله الكثير منهم يخدم بلد الهجرة لا بلده الأصلي فحبذا لو خدمه بتمرير لهجته ولغته وسلوكياته فربما تلقى الترحيب ولا يهمهم من فهم أو لم يفهم، فلماذا اجتهدنا نحن حتى ولو عبر مسلسلاتهم لكي نفهمهم، في المقابل يرون إن لهجة الجزائري صعبة ولا مجال لفهمها والدليل أبناءها هجروها، فكيف نستطيع فك طلاسم لهجتنا لكي يفهموها مادام النخبة منا في كل الميادين يستحون أو ينسلخون منها.
لاعبون تربوا في أحياء شعبية بالجزائر تحولوا إلى أوروبيين في أول ظهور
في الوقت الذي يجتهد الكثير من اللاعبين الذين ولدوا وتربوا في أوروبا في إتقان اللغة العربية واللهجة الجزائرية من أجل إيصال أفكارهم إلى جمهورهم هنا في الجزائر، انسلخ في المقابل الذين تربوا هنا في إحياء شعبية من لهجتهم ولغتهم الأصلية وأصبحوا يخاطبون الناس في الحفلات الرياضية والرسمية بلغة غريبة ودخيلة، والغريب أنها عرجاء لا يظهر فيها الفاعل من المفعول، بحيث تظهر ملامح العسر عليهم وهم يغازلون هذه اللغات وهي تهرب منهم ببشاعة، صحيح أنه من تعلم لغة قوم أمن شرهم، لكن في الضرورة وليس في الحياة العادية وبين أهلك، حتى أصبح الكثير من أهل أحيائهم لا يفهمونهم، فبين عشية وضحاها تحول العديد منهم إلى أوروبيين أبا عن جد.
إعلاميون تائهون بين “ليش” المشرقية و”علاش” الجزائرية
ربما يجد الكثير من الأشخاص العذر لمن أراد أن يتعلم لغة عالمية معروفة لكي يندمج مع أهل تلك البلدان وهو أمر عادي، بل واجب في الكثير من الأحيان من أجل التقدم في الحياة العملية والمهنية، فترى الكثير من الإعلاميين الذين يشتغلون في قنوات مشرقية في حصص جزائرية محضة وجمهور جزائري عريض يتأرجح لسانه بين لهجات غربية لتلك الأوطان التي يعملها لها، وكثير منهم لم يعمر طويلا في هذه البلدان، لكن عند نطقه تظنه أنه قضى كل أيام طفولته هناك، ليس العيب أن يتأثر الواحد منا بلغة قوم وإن كانت مشتركة بيننا اللغة العربية، يعني ليست بجديدة عنهم في تلك البلدان العربية، لكن أن يحن إلى تعلم لهجات شوارع تلك البلدان فهذا أمر غريب، وهو ما سار عليه الكثير من الإعلاميين اليوم فيخاطبون أهل تلك الأقطار بلهجتهم ويخاطبوننا بلهجة تلك الأوطان وإن كنا في غنى عنها فتكفينا لهجتنا حتى وإن كانت لنا وحدنا.
ممثلون وفنانون لم يبق من جزائريتهم إلا اسمها
ميدان آخر تشبع بالجنسية الجزائرية، لكن اسما فقط، في المقابل فقد ذاب في لهجة كل بلد يحط به الرحال، بين السورية واللبنانية وحتى المصرية يتصارع هؤلاء مع ألسنتهم، وفيهم حتى من يتقن كل تلك اللهجات جملة وتفصيلا، لكن للأسف لهجتنا لا تظهر لا في عملهم ولا في حياتهم الشخصية، ولو تسأل الواحد منهم يقول أننا نفهم لهجتهم، لكن هم لا يفهمون لهجتنا، هي الحجة التي يتحجج الكثير منهم بها، لكن كيف يستطيعون فهم لهجتنا ونحن من كان سفيرا عندهم على غرار هؤلاء الإعلاميين واللاعبين والممثلين وكل الميادين ينسلخون منها، لقد وطنوا للهجاتهم لا للغاتهم فحسب في مجتمعنا عن طريق إعلامهم وأفلامهم ومسلسلاتهمـ يتقنون التسويق ونتقن الشراء فقط، وهذا الفرق بيننا وبينهم، لماذا تأثرنا بهم ولم يتأثروا بنا؟ وهو السؤال الذي بقي عالقا مند زمن بعيد.
مدعوون في الجزائر يتكلمون لغة قومهم وجزائريون بجنبهم يرطنون بلغات أجنبية
إذا كان هذا حال الكثير من الإعلاميين والممثلين والرياضيين وفي كل الميادين وهم في الهجرة، فإن الأمر أعظم عندما نحضر اليوم إلى حفلات وتكريمات هنا في بلدنا يحضر فيها العديد من الوجوه المعروفة من كل أقطار العالم في كل الميادين، غير أنهم لا ينسلخون من لغة وطنهم الأم، بل من لهجاتهم في الكثير من المقاطعات التي لا نعرفها أصلا في دويلات صغيرة، ويحتم علينا أن نستمع إلى مترجمين لكي نفهم ما يقولون، فلا يبذلون أقل جهد للكلام باللغة التي نفهمها نحن في الجزائر لا نقول لهجتنا، في المقابل تجد الكثير من المدعوين من أبناء جلدتنا وهم أبناء هذا البلد وحتى من الأحياء الشعبية يتلعثمون بلغات الأقوام الأخرى حتى وإن هم لم يتقنوها أصلا، وعندما يتعسر عليهم الأمر فإنهم يكملونها بالتأتأة، بالرغم من أنهم في وطنهم وهم يدركون أن جمهورهم هنا في الجزائر يود لو أنهم يتكلمون اللغة البسيطة التي تقربهم إليهم فقط، فلم العسر في هذا الأمر والتكلف من أجل لا شيء؟
لماذا نفهم ما يقولون ولا يفهمون ما نقول نحن؟
إن ما وصلنا إليه اليوم من هذه الظواهر وان كانت لا تظهر جليا في طمس هوية مجتمعنا، كنا نحن السبب فيها، حين لا نتقن لغتنا ونتبع لغات الأقوام الأخرى حبا فيها وتظاهرا بالثقافة، فهذا مساس صريح بالهوية التي بقيت تتأرجح بين من يحميها ومن يهدد أسسها، عندما نتقن لهجة دخيلة علينا ينطقونها هم في شوارعهم ونخاطب نحن بعضنا بها في بلدنا فالأمر أعظم، حين نجهد أنفسنا في فهم ما يقولون وهم لا يعيرون أي اهتمام لما نقوله مادمنا نخاطبهم بلغتهم ولا يريدون حتى من باب الفضول معرفة لهجتنا، فهذا دعوة صريحة إلى القضاء على كل ما يربط حاضرنا بماضينا.