الجزائر
مطاعم ومحلات الأكل السريع تحل محل مكتبات عريقة

جزائريون ينحازون إلى غذاء البطون ويستهينون بطعام العقول

صالح سعودي
  • 1673
  • 0
أرشيف

أجمع الكثير من المتتبعين على التراجع الكبير لمستوى المقروئية والإقبال على الكتاب الورقي بالخصوص، ما تسبب في غلق مكتبات عريقة، آخرها ما حدث لأكبر مكتبة بوهران، يحدث هذا في الوقت الذي تعرف المدن الجزائرية انتشارا واسعا للمطاعم ومحلات الأكل السريع وكل ما له علاقة بغذاء البطون، مقابل استهانة وتراجع واضح عن أطعمة العقول.

المتجول في مختلف أزقة وشوارع المدن الجزائرية يقف على الانتشار الواسع لمحلات البيتزا والشواء والأكل السريع، وهي نفس المحلات التي تتمركز بشكل لافت أمام واجهات الجامعات الجزائرية، في الوقت الذي لا يتم العثور على مكتبات مختصة في بيع الكتب وآخر الإصدارات إلا نادرا، حيث يقتصر الأمر عادة على محلات صغيرة لبيع الأدوات المدرسية وكتابة المذكرات وتصوير المحاضرات، وهو العمل الذي يطغى عليه الطابع التجاري أكثر من الفكري.

ومن الجوانب التي تؤكد ندرة المكتبات الكبيرة والعريقة، أن كل ولاية أو مدينة جزائرية باتت تعرف بمكتبة واحدة أو اثنتين، على غرار مكتبة العالم الثالث في العاصمة، ومكتبة الثورة في عنابة، ومكتبتي قرفي والإحسان في باتنة، وغيرها من المكتبات التي أصبحت أشبه بمقر سفارة فكرية ومعرفية في عاصمة كل ولاية. والأكثر من هذا، فإن الكثير من المكتبات العريقة أرغمت على الغلق بسبب قلة الإقبال عليها، على غرار ما حدث مؤخرا لأكبر مكتبة في وهران، في زمن الميل كل الميل إلى فتح المطاعم والمقاهي وغيرها من المحلات التجارية بحجة أنه الخيار الأكثر ربحية، مادام أن الكتاب، حسب قولهم، “مايوكلش الخبز”.

ويؤكد الدكتور محمد نور الدين جباب، في منشور له في صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي، تزامنا مع استياء البعض من غلق بعض المكتبات، بأن هذه الظاهرة ليست جديدة، مشيرا أنّه قد أغلقت بعض أعرق المكتبات التي تعد جزء من تراث الجزائري الثقافي لأسباب مختلفة، ويقول في سياق حديثه “لأنني أنتمي إلى جيل عاش مرحلة ما قبل ثورة الاتصال والمعلوماتية، بالتأكيد يتأثر أكثر ويتأسف أكثر وهو يرى بعض المكتبات، التي تعد جزءا من ذاكرته تغلق، لكن اليوم بعد ثورة الاتصال والمعلوماتية اختلف الأمر كثيرا مع الجيل الجديدة الذي أصبح بمجرد حركة بسيطة على هاتفه يقوم بتحميل آلاف الكتب وفي رمشة عين”.

ويضيف الدكتور جباب قائلا: “حدث معي أكثر من مرة ولا زال يحدث، عندما أقدم إلى الطلبة قائمة المصادر والمراجع، وقبل مغادرة المدرج يكون الطلبة قد أصبحت تلك الكتب بين أيديهم وفي متناولهم، في الوقت كان الجيل الذي أنتمي إليه، مثل هذه العملية تتطلب عدة أسابيع ومعارك مع عمال المكتبة الجامعية، تارة يخبرونك أن الكتاب خرج وتارة أخرى يصلحونه وأخرى يخبرونك أن الكتاب غير موجود أصلا”، ليخلص إلى القول بأن المعرفة توسعت وانتشرت، وأصبح الكتاب متوفر أكثر، بدليل أن الطالب والباحث يتحصل عليه بسهولة ويسر وفي الكثير من الأحيان دون مقابل.

ويجمع الكثير أن هناك عوامل تجارية عصفت بالمكتبات، في ظل الارتفاع الكبير للتكاليف، ناهيك عن إلزامية التسديد المسبق للكراء، ما يجعل الاعتماد على تجارة الكتب، حسبهم، عملا فاشلا من الناحية المالية، بدليل الفروق الجوهرية بين الوافدين على معارض السيارات والملابس والأواني والأجهزة المنزلية مقارنة بالحضور المحتشم نسبيا خلال معارض الكتاب، لكن وبعيدا عن المنطق التشاؤمي والواقع السائد، استحسن البعض صمود عدة مكتبات وفتح مكتبات جديدة، ناهيك عن بعض المبادرات التي تشجع على المقروئية، وتكريس تقاليد استثنائية، من خلال تنظيم جلسات تقرب بين المؤلفين والقرّاء، ما يعني حسب الأستاذ يوسف نوري أن العبرة في القراءة وتكريس تقاليد ناجعة في هذا الجانب، سواء في الفضاءات المغلقة أو المفتوحة.

مقالات ذات صلة