الرأي

جزائريٌّ بروح فلسطينية.. فلسطينيٌّ بروح جزائرية

بقلم: مصطفى النبيه
  • 524
  • 0

لا مسافات بين الأحرار تتوحد المشاعر وتختلف المدن، نسائم الخير تفوح لتمنح الأرض سلاماً فمعنى أن تكون وتر في قيثارة الحب متيماً في عشق وطن لم تبصره يوماً لابد أن تكون جزائرياً بروح فلسطينية أو فلسطينيا بروح جزائرية..تختلف الأمكنة تتباعد ويلتقي الإنسان يجمعه صوت واحد  قلب واحد ووطن كبير يفيض سلاماً وعشقاً ويتلو آيات الصمود والنصر ويبشر أن القادم أجمل وأن أصحاب الحق حتما سينتصرون  مهما طال الزمان.

تتسابق الصحف الجزائرية يحركها الحس الوطني الإنساني، تنهض إعلاميا، تدرك مكمن الوجع الذي ذاقت ألوانا قاتمة منه وعاشت فصوله، تتبنى قضية الأسرى الفلسطينيين الذين يدفعون أثمانا باهظة من عمرهم، تنكيل وتعذيب وحبس انفرادي لإيمانهم أن الحرية لا توهب بل تُنتزع انتزاعاً، يدرك إخواننا في الجزائر أن قضية الأسرى قضية حساسة وهي قلب النضال وتهميشُها يُضعف الحركة النضالية وينهك الأسير ويحطم معنوياته ويهد من عزائم عوائلهم  فتنفرد الصحف الجزائرية التي تصدر على مستوى القطر الجزائري كله، وتفتح أبوابها على مصراعيها وتعطي مساحة مشرِّفة للأقلام الحرة للتعبير عن وجع الأسرى والمفقودين وشهداء الأرقام.. تجعلهم دوماً في بؤرة الحدث تنتصر لقضيتهم العادلة، فالسجن هو مساحات من الحرمان، زمن متجمد مفقود يُسرق من الأسير ومن عائلته، ويصنع بينهما فجوات واغتراب يترك فراغاً مفزعاً في الأسرة حتى بعد خروجه من السجن، يبتكر المحتل وسائل  القتل والعربدة والتعذيب .. لذا بلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 حتى يومنا في سجون الاحتلال الإسرائيلي ما يقارب 221 استشهدوا داخل سجون الاحتلال أو بعد خروجهم بفترة قصيرة نتيجة التصفية أو الإهمال الطبي إذ يتم الإفراج عن الأسير وهو يعاني أمراضا خطيرة وبعد فترة قصيرة من خروجه يفارق الحياة.. ومنهم من استشهد نتيجة التعذيب ويبلغ عددهم 71 شهيداً  وهناك من استشهد نتيجة الإهمال الطبي “الموت البطيء” ويبلغ عددهم 65 شهيدا، وقد استمعنا عن استشهاد الأسير عزيز عويسات في سجن أيشل، ومؤخرا الأسير بسام أمين السايح  نتيجة الإهمال الطبي.

ومن الطبيعي أن تماطل  المحاكم الإسرائيلية في بعض الحالات عندما يقدم لها تقرير طبي من السجان يوضح معاناة الأسير وما تبقى من عمره الزمني المفترض ويتم تأجيل القضية وتستمر لغاية وصول تقرير طبي دامغ أن الأسير وصل لمرحلة النهايات.. المحكمة، الطبيب، القاضي والسجان .. عناصر وُجدت لإعدام الأسرى..

ونتيجة القتل المتعمد والتصفية المباشرة استُشهد تحت مقصلة التعذيب 72   أسيراً، وفي ظروف وإعدامات مختلفة استُشهد 75 أسيراً، كما استشهد 7 أسرى نتيجة إطلاق النار عليهم من قبل جنود الاحتلال وهم داخل السجن..

تسليط الضوء على قضيتهم العادلة إعلامياً، محلياً وعربياً وعالمياً وبشكل متواصل هو عمل وطني بامتياز يحميهم من غول الاحتلال ويمنحهم بصيص من الأمل ويشحنهم بالقوة والصمود ويؤكد لهم أن هناك من يقف معهم في نفس خندق المواجهة ولن يخذَلوا يوماً حتى التحرير.. فشكراً لوسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، الرسمي والخاص في جزائرنا الحبيبة .. شكراً لأبطال الكلمة ولكل صوت نظيف يساند القضية الفلسطينية وخاصة قضية الأسرى.

باسم الإنسان الذي بعث على هذه الأرض وانتصر لها، باسم الأوطان التي عمدت بدماء الشهداء فأشرقت حرية، باسم الثائرين التي تتعانق أرواحهم كل صباح لتؤسطر حكاية عشق أزلي بين الجزائر وطن المليون شهيد الذي يأبى الخضوع والاستكانة وبين فلسطين أرض السلام والتضحية التي يعشق شعبها الشهادة لأجل حياة حرة كريمة يورثها للأجيال، نبارك لأنفسنا ولأخوة القلب والروح  في جزائر الشهداء، بزوغ  شمس نوفمبر الذي نتنسم منها الذكرى الـ65 العطرة المجيدة لاندلاع ثورة التحرير.. نترحم في هذا اليوم على شهداء الحرية، الأحياء  الذين حملوا شعار “تضحيتنا للوطن خير من الحياة” ونخجل من أنفسنا أمام عاصفة التضحيات وهي تعيد لنا شريط الذاكرة المثقل بالمشاعر المتدفقة بالأوجاع والآلام على مدار قرن وثلاثة عقود، ما بين قتل وقهر وأسر وحرمان وألوان من العذاب، وفي المقابل شعب صامد يتحدى ويقهر جلاده ويتسامى فوق أوجاعه..

ننحني لهذا الشعب الثائر الصابر وللقادة العظماء الذين انتزعوا الجزائر من بين أنياب المستعمر الفرنسي إلى بر التحرر وهم كزبد البحر عددهم لا يحصى، نستذكرهم لنستمد منهم شجاعة وقوة العربي بن مهيدي ومصطفى بن بولعيد وديدوش مراد، ورابح بيطاط ، وعميروش، وعبان رمضان حسين آيت أحمد ومحمد بوضياف، وكريم بلقاسم وجميلة بو حيرد والكثير الكثير..

ننحني لهذا الشعب الثائر الصابر وللقادة العظماء الذين انتزعوا الجزائر من بين أنياب المستعمر الفرنسي إلى بر التحرر وهم كزبد البحر عددهم لا يحصى، نستذكرهم لنستمد منهم شجاعة وقوة العربي بن مهيدي ومصطفى بن بولعيد وديدوش مراد، ورابح بيطاط ، وعميروش، وعبان رمضان حسين آيت أحمد ومحمد بوضياف، وكريم بلقاسم وجميلة بو حيرد والكثير الكثير.

مازالت  الروائح الندية تعبق بين السطور وتسرد البطولات التي لا تنتهي وتطوي الأزمان وهي تسلط الضوء على رحلة الجلاء مروراُ بأحمد بن بلة، وهواري بومدين، وكل رؤساء الجزائر منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، مراحل تعج بالصور والقصص التي تمنحنا القوة والعبرة  وتجسد  تجربة هذا الشعب المعطاء وثورته على الظلم.

في هذا اليوم العظيم ندعو الله أن يمنح أهلنا في الجزائر، الأمن والسلام والاستقرار النفسي. الحقيقة أني لم أزر الجزائر يوماً لم أطف في شوارعها ولم تكتحل عيناي بالأماكن التي احتضنت الأبطال وعلَّمت العالم دروب الحرية، إلا أن حبها اشتعل في قلبي من خلال مواقفها وانتماء حكوماتها وشعبها على مدار التاريخ للقضية الفلسطينية العادلة؛ قضية الأمة العربية والإسلامية، وقد همتُ بها عشقاً عندما استنشقت رائحة عطرها الجذاب الذي يفوح مسكاً وهو يخرج من بين أفواه كل فلسطيني زار الجزائر والتقى بشعبها الطيب الخلوق وبحكومتها العريقة.. قال رئيسنا الشهيد ياسر عرفات للفلسطينيين: “إذا ضاقت بكم الدنيا ولم تجدوا مفراً فعليكم بالجزائر فإنّ بها رجالا” صدقت يا شهيدنا الحيّ.. فعلا أهل الجزائر موسيقى الحق التي تطرب الشرفاء.. استلهم قائدنا الرمز أبو عمار من بداية انطلاق الثورة وسائل التحرير من خلال تجربتهم  ولقائه  بزملائه أحمد بن بلة وهواري بومدين أثناء ترأسه رابطة الطلبة الفلسطينيين في مصر واستمرت العلاقة حتى تخرّج، كانت الثورة  الجزائرية ملهمة للقائد الشهيد أبو عمار لتبني الكفاح المسلح وتأسيس حركة فتح، فأول مكتب للحركة  كان في العاصمة الجزائرية بشارع فكتور هوغو الذي أصبح فيما بعد مقر منظمة التحرير ثم مقر السفارة الفلسطينية.

لم يكن مصادفة أن يعلن المجلس الوطني قيام  دولة فلسطين في 15 نوفمبر عام 1988 من الجزائر حين أعلن المجلس “باسم الله وباسم الشعب العربي الفلسطيني قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف” وهي جزءٌ لا يتجزأ من الوطن العربي.. لقد اختار الرمز أبو عمار أرض المليون شهيد ونفس شهر التحرر والاستقلال ليقول للعالم إننا نسير على نفس الطريق حتى النصر. فكل عام وأنت مشرقة يا جزائرنا الحبيبة كم أشتاق أن أراك يا أرض الثائرين.

مقالات ذات صلة