جمايكا.. أخجلتنا
اسمها جمايكا، هي جزر عائمة في بحر الكاريبي، جيرانها كوبيون حرمتهم الولايات المتحدة من الماء والهواء، وهايتيون يتعاطى شعبهم الكوارث الطبيعية، لا تزيد مساحتها عن الإحدى عشرة ألف كيلومتر، تبتلع المياه نصفها، ولا يزيد عدد سكانها عن المليونين وثمان مئة ألف نسمة، ولن تقول أرضها هل من مزيد؟
في مساحة لا تكفي لإضافة فرد واحد، تستورد غازها وبترولها من فنزويلا والمكسيك بعد أن حفر خبراؤها كل البلاد دون أن يجدوا قطرة نفط واحدة، ومع ذلك تمكن هذا البلد الذي لا يعرف له غالبية الجزائريين تاريخا ولا جغرافيا أن يضع نفسه ضمن كبار المعمورة، ليس في عالم الرياضة فقط عندما جنى أربع ذهبيات وأربع فضيات وأربع برونزيات في لندن، وإنما في عالم الفن والسياحة والفلاحة، وما حققه في الألعاب الأولمبية في لندن لا يثير فينا الإعجاب وإنما الخجل، فهذا البلد الذي هو أصغر مساحة من معظم بلدياتنا، ولا نقول ولاياتنا قهر الأمريكان في اختصاص سباقات السرعة التي قيل أنها رفقة جائزة نوبل في الفيزياء اختصاص أمريكي خالص، وعلامة مسجلة حرمت كارتر وريغن وبوش وأوباما من النوم، وحقق رقما من الميداليات لم يتمكن الوطن العربي الذي رأسه في المحيط الأطلسي ورجلاه في أعماق آسيا، وخيراته ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوة من الإتيان بنصف غلته.
اهتمام بوتين وأوباما وفرانسوا هولند وماركل بالألعاب الأولمبية إلى درجة استفادتهم من عطلتهم السنوية ليتابعوا قوة وسرعة وعلوّ شبابهم مقارنة مع الآخرين، هو دليل على أن الرياضة هي جزء مهم من الحضارة، وما يحيّر فعلا أن كل الجزائريين يحفظون المثل القائل أن العقل السليم في الجسم السليم، لكنهم يرتضون أن تبقى عقولهم غير سليمة في أجسام غير سليمة، ومن المضحكات التي لا تحدث سوى في الجزائر أن أساتذة الرياضة البدنية يمنحون في شهادة البكالوريا نقاطا لا تقل عن التسعة عشرة من عشرين، في مهزلة كبرى لم يحدث وأن تدخل وزير التربية الوطنية لأجل توقيفها، ولا وزير الرياضة الذي ارتضى الاستهزاء وإهانة قطاعه الحيوي، وحتى البطل الجمايكي بولت لو شارك في امتحان بدني ما حصل على هذه النقطة المهينة للتعليم وللرياضة وللصحة وللجزائر.
التفوّق الرياضي هو مرآة لحالة البلاد اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وأيضا معنويا، ففي أوروبا عجزت البرتغال واليونان دون كل دول الاتحاد الاوروبي عن الحصول على ميداليات ذهبية، بعد أن تخلف اقتصادها وانهارت معنويات شعوبها ورياضييها، بينما حاولت دول أخرى مثل كوريا الشمالية وإيران ونجحت في التواجد مع الأمم الرياضية الكبرى، وعندما تكتفي الجزائر بميدالية ذهبية صرفت لأجلها خمس مئة مليار في زمن الثراء، وكانت منذ ستة عشرة سنة في أطلنطا عام 1996 في زمن النار قد حصلت على ذهبيتين وميداليات من الفضة والبرونز، فإن ذلك دليل على أن الرياضة مثلها مثل بقية المجالات تسير نحو الخلف.
لقد غنى الجمايكي بوب مارلي، فبلغ بالريغي العالمية، وحوّلت جامايكا شواطئها التي لا تزيد مساحتها عن شواطئ موريتي الممنوعة على عامة الناس إلى جنة، وجرى بولت وزملاؤه فكانوا الأسرع في العالم.
قديما قيل “اطلبوا العلم ولو في الصين”. وحان الوقت أن نطلبه في الباهاماس وترينيداد وتوباغو.. وفي جمايكا؟