الرأي

جمعية العلماء‮.. ‬والناس

عبد الرزاق قسوم
  • 1447
  • 7

يا أيها السائلون عن فلسفة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين،‮ ‬وعن موقعها،‮ ‬وموقفها من الحراك السياسي،‮ ‬والاقتصادي،‮ ‬والثقافي،‮ ‬والاجتماعي‮ ‬في‮ ‬بلادنا،‮ ‬ماذا تريدون منها،‮ ‬وما نريد نحن لها؟

ويا أيها الباحثون عن الخط الجامع الأعظم للجمعية،‮ ‬إزاء ما‮ ‬يحدث في‮ ‬وطننا من التاء إلى التاء،‮ ‬أي‮ ‬من تمنراست إلى تلمسان،‮ ‬وفي‮ ‬وطننا العربي‮ ‬الأكبر من الماء إلى الماء‮ (‬من الخليج إلى المحيط‮)‬،‮ ‬ما هو مقصدكم،‮ ‬وما هو مطلبكم؟

إننا نريد لجمعية العلماء‮ ‬‭-‬باسم الوفاء‮- ‬أن تربط الخلف بالسلف،‮ ‬فتكون جمعيتنا نابضة بالتطلعات الشعبية العميقة لشعبنا،‮ ‬وناطقة باللغة العربية الفصيحة لآلامنا وآمالنا،‮ ‬ومجسدة للعقيدة الإسلامية الصحيحة في‮ ‬سلوكنا وأعمالنا‮.‬

وهم‮ ‬‭-‬أي‮ ‬بعض الناس‮- ‬يريدون للجمعية أن تكون حزبا في‮ ‬غير محراب،‮ ‬ومبتورة من كل سورة،‮ ‬أو آية أو كتاب،‮ ‬يظنها الإنسان‮ ‬غذاء،‮ ‬ويحسبها الضمآن ماء،‮ ‬حتى إذا جاءها لم‮ ‬يجده شيئا،‮ ‬ووجدها أشبه بالسراب‮.‬

نحن نريدها،‮ ‬مرجعية إسلامية شاملة نابضة بالفكر الصريح،‮ ‬والفقه الفصيح،‮ ‬والاتجاه الصحيح،‮ ‬لا سيد‮ ‬يعلو عليها‮ ‬‭-‬بعد الله‮- ‬إلا الشعب،‮ ‬منه تستلهم أحكامه،‮ ‬وتردد آماله وآلامه،‮ ‬وتعكس بكل الوفاء طموحه وإلهامه‮.‬

والبعض‮ ‬يريد لها،‮ ‬أن تقطع الصلة بالسلف،‮ ‬مقابل الحصول على العَلَف،‮ ‬مهما كان في‮ ‬ذلك من التلف،‮ ‬والقرَف،‮ ‬فتكون بذلك،‮ ‬خاذلة للسلف،‮ ‬ومولية وجهها عن الهدف،‮ ‬فأفٍّ‮ ‬لهم وألف أف‮.‬

يكفي‮ ‬جمعية العلماء‮ ‬‭-‬شرفا‮- ‬أنها لم تخضع للجبابرة الظالمين،‮ ‬وأنها لم تحن الجباه للمحتلين الغاصبين،‮ ‬فما لهؤلاء القوم‮ ‬يحاولون السباحة ضد التيار،‮ ‬ويكلفون الجمعية ثمن الهزيمة في‮ ‬عيد الانتصار،‮ ‬ويدفعون بها إلى عار الانهزامية والاندثار‮.‬

عهد أخذته الجمعية على رجالها في‮ ‬الماضي‮ ‬والحاضر،‮ ‬وهي‮ ‬أن تكون الذائدة عن حمى العرين،‮ ‬والناطقة باسم الوطنيين المخلصين،‮ ‬والمترجمة لما‮ ‬يبعث به المعذبون من آهات وأنين‮. ‬وخير للجمعية أن تنقرض فتسجل اسمها في‮ ‬التاريخ بمداد من ذهب،‮ ‬من أن تخون مبادئ وأحكام من حضر من العلماء ومن ذهب‮.‬

ويلهم،‮ ‬إذا أرادت الجمعية أن تقوم بدور الناصح الأمين للحكام والمحكومين،‮ ‬تعالت من حولها،‮ ‬الصرخات،‮ ‬وانهالت عليها الضربات،‮ ‬ورفعت في‮ ‬وجهها الإنذارات والتهديدات‮.‬

تعالوا نسائلكم جميعا،‮ ‬عن واقع الأزمات التي‮ ‬تتخبط فيها بلادنا،‮ ‬ماذا‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون موقعنا منها؟

هل إذا قلنا بأن المنظومة التربوية،‮ ‬وهي‮ ‬رمز مستقبل أجيالنا،‮ ‬يجب أن تخضع للمعالجة والتشريح،‮ ‬كي‮ ‬نجنب سقوط أبنائنا الشماريخ في‮ ‬مستنقع التاريخ،‮ ‬قيل لنا،‮ ‬ما سمعنا بهذا في‮ ‬الملة الآخرة،‮ ‬إن هذا إلا اختلاق؟

وإذا صرخنا باسم العدل والديمقراطية أن قانون العقوبات،‮ ‬قانون جائر في‮ ‬مبناه ومعناه،‮ ‬قيل لنا،‮ ‬بأن هذه لغة قاسية في‮ ‬حق أسرة المدينة والبادية،‮ ‬فهل‮ ‬يعقل أن‮ ‬يبنى البيت‮ ‬‭-‬بدل قواعد الحب والوئام‮- ‬على العقوبات والخصام؟

وإذا دعونا إلى الاحتكام إلى العلم المحايد والعميق لإعطائنا فتوى علمية،‮ ‬لا رائحة للسياسة،‮ ‬ولا للمصلحة فيها،‮ ‬بمدى ملاءمة هذا الغاز الصخري‮ ‬لصحة المواطن،‮ ‬ونظافة بيئة الوطن،‮ ‬اتهمنا بأننا نحرض المحكومين،‮ ‬ونقف ضد الحاكمين‮.‬

ويمينا برة لا حنث فيها،‮ ‬أن الجماهير المعتصمة في‮ ‬عين صالح وغيرها ضد الغاز الصخري،‮ ‬ليست ضد الحكام،‮ ‬ولا‮ ‬يخطر ببالها ذلك،‮ ‬وإنما هي‮ ‬خائفة على مستقبلها،‮ ‬ومستقبل بيئتها،‮ ‬ومن حقها على الحاكم أن‮ ‬يستمع لنبضها‮.‬

فيا قومنا‮! ‬إن جمعية العلماء هي‮ ‬المؤذن الشريف،‮ ‬في‮ ‬الوطن،‮ ‬تنبه بالإشارة والعبارة،‮ ‬بأن حذار فإن الأعداء متربصون،‮ ‬وأنهم لنا لغائضون،‮ ‬وأنهم لشرذمة ماكرون،‮ ‬فلا تمكنوهم من تحقيق مآربهم،‮ ‬ولا تجعلوا من‮ ‬غضب الجماهير مادة للتسلل إلى عقولهم وقلوبهم،‮ ‬ولنا في‮ ‬ما‮ ‬يحدث من حولنا،‮ ‬في‮ ‬تونس،‮ ‬وليبيا،‮ ‬ومصر،‮ ‬واليمن،‮ ‬أسوأ المثل إن كنا معتبرين‮.‬

إننا‮ ‬‭-‬ما فتئنا نصيح نصحا‮- ‬حتى‮ ‬غصت أصواتنا،‮ ‬وذابت حشاشتنا،‮ ‬ونوشك أن نتوقف عن إسداء النصيحة إذا أوشكت النصيحة أن تتحول إلى فضيحة،‮ ‬ويومها‮ ‬يكون رائدنا قول أبي‮ ‬الطيب المتنبي‮:‬

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا

ألا تفارقهم فالراحلون هم

وقول أبي‮ ‬حامد الغزالي‮:‬

غزلت لهم‮ ‬غزلا رفيقا فلم أجد

لغزلي‮ ‬نساجا،‮ ‬فكسرت مغزلي

إن جمعية العلماء هي‮ ‬الجزائر العميقة،‮ ‬وإن الجزائر ملك الجميع،‮ ‬فلا‮ ‬يجوز السكوت عما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يلحقها من أذى ومن ضرر،‮ ‬وسيسألنا التاريخ‮ ‬يوما عما نحن فاعلون بوطننا‮. ‬إنها أمانة الله،‮ ‬وأمانة محمد صلى الله عليه وسلم،‮ ‬وأمانة ابن باديس والعلماء،‮ ‬فلنتق الله في‮ ‬هذه الأمانة،‮ ‬ولنذكر أن جمعية العلماء هي‮ ‬حارسة الحمى،‮ ‬وسادنة المعبد،‮ ‬فإن نامت عن الحراسة،‮ ‬والسدانة،‮ ‬فسيأت الله بقوم‮ ‬غيرنا،‮ ‬ثم لا‮ ‬يكونوا أمثالنا‮.‬

ولنأنس في‮ ‬هذا المقام بقول مصطفى صادق الرافعي‮:‬

إن الظلام الذي‮ ‬يجلوك‮ ‬يا قمر

له صباح،‮ ‬متى تدركه أخفاكا

مقالات ذات صلة