جنرالات الشاشة ينفذّون انقلابا تلفزيونيا على مرسي!
ما تعرّض له الرئيس المصري، محمد مرسي، وزيادة على أنه انقلاب عسكري بكل ما تعنيه الكلمة فهو “انقلاب تلفزيوني” أيضا، حيث غالت وجهة النظر الثانية وتم منع بث المحطات الموالية له، واعتقال جميع من يعمل فيها!
جرت العادة أنه في كل الانقلابات العسكرية، يتحرك أصحاب الأحذية الثقيلة للسيطرة أولا على وسائل الإعلام الثقيلة وتحديدا التلفزيون، وبما أن التلفزيون الحكومي هذه المرة كان جاهزا للانقلاب على الرئيس أصلا، فإن القنوات الدينية بقيت تشكل بالنسبة إلى العسكر مصدر الإزعاج الأول!
جميع من غيّر المحطة بحثا عن أصوات موالية لمرسي من حزبه أو تياره، ولمعرفة وجهة نظرها من عملية عزله عن سدة الحكم، تفاجأ بقطع البث بمجرد انتهاء خطاب العسكر، وكان عدد تلك المحطات ستا، بما فيها.. قناة الجزيرة مباشر مصر!
صحيح، إن هذه القنوات أخطأت في رسالتها الإعلامية وقامت بارتكاب عدد من الجرائم المهنية، ولكنها لم تكن بأفضل حالا من قنوات المعسكر الآخر ونقصد به التيار الليبرالي، وتحديدا قنوات رجال الأعمال الذين فقدوا الكثير من بريقهم وتجارتهم مع سقوط مبارك، من ملاك قنوات سي بي سي ودريم والمحور وغيرها!
ماذا لو كان الجيش قد انحاز إلى الشرعية، وقرر حماية مرسي وجماعته، هل كان سيغلق تلفزيونات الطرف الثاني باسم الدستور المعطل ولحماية الناس من إبداء رأيها المخالف؟
أي ديمقراطية هذه التي تجعل من طرف يحظر على البقية ممارسة حقهم في التعبير المخالف؟ ألم يتعرض الرئيس الإخواني لأكبر حملة إعلامية في تاريخ الرؤساء العرب وكان يُسبّ ويقذف ويشتم على الملإ، لكنه لم يتحرك أبدا لغلق قناة أو توقيف برنامج ما عدا بعض المحاولات اليائسة لمناصريه وأيضا محاكمة عدد من الإعلاميين قبل التنازل عن الحق في مقاضاتهم؟!!
التغيير الذي يبدأ بإقصاء الطرف الآخر ولو تلفزيونيا، هو تغيير ناقص ومعرض لمزيد من الثورات والاختلالات، ناهيك على أنه يفتح الباب على مصراعيه لمزيد من المغامرات، فعندما لا يجد قطاع واسع مثل الإسلاميين قناة حرة للتعبير المخالف فإنهم لن يتوانوا عن ممارسة التعبير بأشكال أخرى قد تقذف بالبلد في أتون حرب أهلية لا سمح الله!
وفي المقابل… هل نتوقع مثلا أن يتعامل الإعلام “الليبرالي الحر” بنفس القسوة ودرجة النقد الشديد التي كان يواجه بها الإخوان ورئيسهم؟ هل سيكون باسم يوسف مثلا أو إبراهيم عيسى على نفس شجاعتهم في رمي مرسي بكل أنواع الشتائم اليومية والتي خرجت عن دائرة النقد السياسي ودخلت في متاهات أخرى لا علاقة لها لا بالمهنية ولا بالإعلام ولا حتى وبالأخلاق!!
قد يقول البعض إن هؤلاء الإعلاميين كانوا أيضا من رموز المعارضة والنقد في مرحلة مبارك وحكم العسكر، لكننا نشك في أن الرئيس المخلوع أو جنرالاته تعرضوا إلى ربع ما تعرض له مرسي وجماعته في ظرف سنة واحدة فقط؟!!
حتى الإعلام الموصوف بأنه إسلامي المنهج والهوى، والذي حاول الدفاع عن مرسي وسلطته الشرعية، كان فاشلا إلى حد كبير ولم يتوقف عمل قنوات مثل الحافظ والناس والرحمة عن تصنيف المعارضين والموالين إلى كفار ومسلمين، وهو خطاب أفسد على تلك القنوات كثيرا من مهنيتها وأضر بمصداقيتها… لكن الحل لم يكن في توقيفها وترك القنوات الأخرى مفتوحة لمواصلة الحملة الإعلامية لإقناع المشاهدين والشعب عموما وكافة المعمورة أن ما فعله الجنرال السيسي وقواته المسلحة هو ثورة شعبية وليس انقلابا عسكريا!!
المثير للانتباه أنه حتى القنوات الغربية مثل السي أن أن والبي بي سي لم تتوقف عن وصف الأحداث في مصر بأنها انقلاب عسكري على الشرعية الدستورية والرئيس المدني الأول الذي حكم مصر، بعد انتخابه بطريقة حرة وشفافة، في الوقت الذي استمرت فيه عدد من الفضائيات المصرية التي هللت لسقوط مرسي في الحديث عن ثورة شعبية… وشارع حصل على حقوقه المسلوبة، وهي ذاتها الأصوات التي تصف نفسها بالليبرالية وتقول إن مرسي كان يخطط لأخونة الدولة والقضاء على حرية أفرادها وجماعاتها!!