الرأي

جيل الفتح

لا أنكر أن تشاؤمي فاق تشاؤم “رهين المحبسين” ذلك لأن تشاؤمه كان بسبب فقدان بصره، وإلزام نفسه عدم الخروج من بيته؛ أما أنا فأسمي نفسي “رهين المحابس”، وإذا كان المعري رهين محبسين خاصين به، فإن “محابسي” عامة، منها الجهل، والظلم، والتخلف، والرشوة، والكذب، والنفاق، والخياة والغرور، وجميع الأمراض النفسية والآفات الاجتماعية…ولولا نهي الله -عز وجل- عن اليأس لكنت أول اليائسين بسبب ما أرى بعيني وأسمع بأذني من أحوال أمتي وبلدي السيئة، وما أبرّئ نفسي.

ولكنني في يوم السبت الماضي خرجت لبعض الوقت من تلك الحال إلى  حال كلها إحساس بالعزة وشعور بالمجد، حيث كنت أتابع عن طريققناة الجزيرة مباشرمن استامبول حفلا رائعا، إحياء للذكرى 562 لفتح هذه المدينة التي زادها الإسلام عزا وجلالا إضافة إلى بهائها الساحر.

لقد استمعت إلى ثلاث كلمات مشحونة بالمعاني الجليلة، ألقاها ثلاثة رجال هم الرجال، تحس وأنت تستمع إليهم أنك أمام رجال دولة لا أمام خشب مسنّدة، أولئك الرجال هم داوود أوغلو، رئيس الحكومة التركية، وجميل چيچيك رئيس البرلمان، ورجب طيب أردوغان، رئيس الجمهورية التركية. وبالرغم من أنني لا أعرف اللغة التركية فقد كنت أحس من نبرات أصواتهم، وتقاسيم وجوههم، وإشارات أيديهم أنهم لا يتكلمون من فراغ، ولا يكذبون على شعبهم، ويشعرون بمسؤوليتهم أمام الله وأمام الشعب. وقد لاحظت أنهم جميعا تكلموا واقفين، بل إنهم كانوا يذرعون المنصة الكبيرة، جيئة وذهابا، ولم يكونوا يقرأون من ورقة، كما لم يكونوا جالسين لا على كرسي ثابت ولا متحرك.

لا يمكن حصر ما تحدث به هؤلاء الرؤساء الحقيقيون، فقد قالوا ما قلّ ودلّ وجلّ ولم تكون نبراتهم ذليلة أمام الغرب، وقال أوغلو: إن أستاذي الكبير هو محمد الفاتح، وأكد للجماهير الحاضرةوهي تملأ الأفقأن الطائرات التي مرت فوقهم هي منصنع تركيمائة في المئة.. وهنا تذكرت تلك،الخردة” – “سامبولالتي قالفيڤوراتنا” : “إنها ديالناوما هي إلا تطبيق فرنسي لمثلنامن لحيتو بخّرلو” ..وخلا لك الجو يا فرنسا فبيضي وأصفري، ولا تنقّري، بل التهمي وأما الرئيس أردوغان فقد استهل كلمته بأوائل سورة الفتح، ثم ذكّر بحديث رسول اللهعليه الصلاة والسلام القائل : “لتفتحنّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش جيشها…” ولم ينس الإشادة بأبطال الدولة العثمانية من محمد الفاتح إلى السلطان المظلوم عدو الصهيونية، عبد الحميد الثاني.. ردد مثلا تركيا مدلوله هو: “من يأكل خبزة الكافر يحمل سيف الكافر، وأكد أن الشعب التركي لن ينسى القدس ولو لم يبق منه إلا شخص واحد.. مذكرا اليهود وغيرهم أن تركيا والعالم الإسلامي هم من احتضنوا اليهود من جرائم الأوروبيين، مشيرا إلى أن العالم أكبر من رقم 5، وهو عدد الدول المشكلة لما يسمىمجلس الأمن، وهوكما يقول الإمام الإبراهيمي : مخيف، والراضي بوضعه وحكمه ذو عقل سخيف“.

ثم ندد بحكم العلمانيين الفاسد سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وجعلوا تركيا في الدرك الأسفل، وسمى فترة حكمهمفترة تركيا السوداء، وأكد أنه لن يتركهم يطفئون نور الفتح، الذي هو امتداد لفتح مكة، والقدس، والأندلس، وسمرقند وجميع الفتوحات.. وأكد المتحدثون أن تركيا قادمة على فتوحات جديدة سلاحها الإيمان، والعلم، والعمل والحرية مع عدم السماح لأي كان أن يمس الكرامة التركية ونزع هويتها الإسلامية..

وليعلم النطيحة، والمتردية، والمنخنقة .. والقواعدعندنا أن عمر محمد الفاتح عند فتحه القسطنطينية كان واحدا وعشرين عاما. رحم الله محمد الفاتح، وجميع شرفاء الأمة الإسلامية مشرقا ومغربا، وأخزى الأراذل والأنذال منها. فلما انتهى الحفل عدت إلى حال بلدي المزري.

مقالات ذات صلة