الرأي

جيل طال انتظاره لإدارة دولة المعمرين

حبيب راشدين
  • 2515
  • 6

في الوقت الذي تدعونا فيه المعارضة إلى استبدال النافق من أحصنة “جيل طاب جنانه” ببراذين كسيحة من نفس الجيل، يحسن بنا أن ندعوهم لإصلاح دستوري يمنح إدارة الدولة العميقة للمعمرين منهم، والحكومة العاملة للشباب، بإحداث فصل دستوري يمنحهم الوظائف الملكية للدولة، وتفتح ساحات السلطة التنفيذية لتداول الشباب من “جيل طال انتظاره”

المراهنة على الرئاسيات القادمة، أو حتى على تعديل الدستور، من أجل إحداث التغيير، سواء في طبيعة نظام الحكم، أو في سلوكه وأدائه تبقى مراهنة فاسدة، ويكون من يروج لها من السلطة أو من المعارضة إنما يريد الدجل والتدليس على المواطنين ليس إلا.

فالأمر عندي سيان، أعيد ترشيح الرئيس لعهدة رابعة، أو أخرج للناس مرشح إجماع جديد من رحم النظام، أو ترك الحبل على الغارب لتفرز الصناديق رئيسا من بين مرشحي المعارضة، لأن الشركاء في المشهد السياسي في السلطة والمعارضة ينتمون جميعهم لـ”جيل طاب جنانه” لا يؤمنون بسنن التغيير، وليس لهم ثقافة أو فكر سياسي منتج للتغيير والإصلاح. 

 .

الدستور الذي عدد الأحزاب واختزل الدولة

وحتى لا أتهم كالعادة بالمزايدة على الطبقة السياسية الناشئة عن دستور 89، دعونا نخضع الجميع لاختبارات بسيطة، تبدأ بالسؤال عن مواطن التوافق والاختلاف بين مكوناتها، ثم عن طبيعة الوعود الإصلاحية في الضفتين.

من جهة التوافق، ثمة إجماع على مستوى الخطاب على بعض جمل الدستور المنظمة لنظام الحكم، مثل: الإطار الجمهوري، ومبدأ التداول السلمي عبر المسارات الانتخابية، ولا توجد فوارق كثيرة حيال نظام الحكم شبه الرئاسي السائد، إلا من استثناءات قليلة، وميل عند المعارضة الإسلامية للنظام البرلماني، ويجمع الطرفان على ترديد جمل معلبة حول الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، واحترام الحريات، بل لا توجد خلافات تذكر حول مضامين الهوية من لغة ودين.

فنحن كما نرى أمام حزب واحد قد تعدد ولم يتجدد، الفرق بين أطرافه لا يزيد عن الفرق بين العمال والمحافظين في بريطانيا، أو الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة، وهو في الجملة لا يغري على تغيير أحصنة السلطة النافقة ببراذين كسيحة من المعارضة.

قد يتفاجأ بعضنا بما أظهرته المعارضة، وهي متضامنة، من معارضة مستميتة لجميع مسارات تعديل دستور 89، بما فيها المشروع المطروح الآن على مستوى الرئاسة، وكأنها راضية كل الرضا على الدستور الذي جمد الحياة السياسية منذ عقدين، بدعوى أنه سوف يطيل من عمر النظام، ويقلص من فرص التغيير والتداول.

عند طرح دستور 89، أجمع فقهاء الدستور وقتها على أن أفضل ما فيه مادته الأربعين، التي أحدثت التعددية السياسية والإعلامية، وبعض المواد التي رسخت الانتقال من الاقتصاد الإداري الموجه إلى اقتصاد السوق، لكنه لم يأت بجديد يذكر، لا على مستوى مبادئ الفصل بين السلطات ورسم حدودها، ولا على مستوى استقلال القضاء وعلو شأن القانون، وقد ظل طوال عقدين يتاجر في سوق مغلقة، برأسمال سياسي وفكري هزيل، في مسارات تعددية انتخابية كسيحة، غير قادرة على تحقيق التداول بين مكونات وشخوص السلطة، فضلا عن تحقيق التداول من خارج مكونات النظام الذي ضرب عند أول محاولة جادة سنة 91 .

 .

عقيدة القرامطة عند الإسلاميين الجدد

ومع ذلك، لم نقرأ جملة واحدة مفيدة تصدر عن المعارضة، تدعو إلى إصلاح حقيقي للدستور، قد يفضي إلى إصلاح حقيقي، وتغيير سلس وآمن لنظام الحكم، لأن المتنافسين على السلطة لا يرون أفضل من هذا الدستور للاستبداد بالاستبداد متى كتب لهم الوصول للسلطة، وأن أكبر همهم ليس تحقيق إصلاحات بقدر تصيد الفرص للوصول إلى السلطة تحت أركان هذا الدستور المغلق.

دعونا الآن نبدأ باختبار النوايا عند الجميع، ونقسم المشهد السياسي القائم إلى طوائف ثلاث، حسب اليافطات التي ترفعها كل طائفة من الطوائف الثلاث: الإسلامية، الليبرالية العلمانية، ومن تدعي لنفسها التفرد بالوطنية، ونسأل كل طائفة عن موقفها من المبدأ الحاكم داخل كنائسها ومعابدها العقائدية.

فالطائفة الحاملة لشعار “الإسلام هو الحل” سوف ينتفخ سحرها سريعا عند أول سؤال حول موقفها من مبدأ الحاكمية التي تعلي شرع الله على سائر الشرائع، ولن نحرجها فوق طاقتها بشأن تطبيق الحدود، بل نكتفي بسبر موقفها من مسألة فقهية واحدة، لا جدال فيها بين عامة فقهاء الإسلام في جميع العصور، وأعني بها الموقف من تعامل الدولة بالنظام الربوي، السلوك الوحيد الذي توعده البارئ عز وجل بحرب من الله ورسوله، بنص الآية 279 من البقرة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُون”

وقد اتضح من تجارب الإسلاميين الذين وصلوا للسلطة في تركية، ومصر، وتونس، والمغرب، وباكستان، ونظرائهم في السلطنات والإمارات الخليجية، أنهم لا يغضون وحسب الطرف على السلوك الربوية للدولة والأفراد، بل كانت سياساتهم تناضل لتوسيع سلطان الربا والمرابين، وقد ظلت حكومة الإخوان في مصر تداهن الغرب طمعا في قرض ربوي من صندوق النقد الدولي، يفتح أمامها أسواق الاقتراض الربوي العالمية، وكان الإسلاميون الجدد يستنسخون الدين من عقيدة القرامطة.

 .

المهاجرون الجدد من قدامى الملاحدة

امتحان “إخواننا” ممن يرفعون شعار الديمقراطية والدولة المدنية، وسلطان القانون، وكثير من المفردات الجميلة في المنظوم الديمقراطية الغربية، امتحانهم لا يزيد عن سبر الموقف من فرضية وصول حزب إسلامي حقيقي للسلطة، عبر مسار ديمقراطي مؤمن من التزوير، وبإرادة شعبية ليس فيها إكراه، فما عساه يكون موقفهم وقتها من حكومة منتخبة، تمارس حقها الطبيعي، وتستند إلى التفويض الشعبي الديمقراطي، الذي يسمح لها بتطبيق برنامجها الانتخابي الإسلامي؟ الجواب معلوم مسبقا، وقد رأينا العلمانيين والديمقراطيين يرتدون عن عقيدتهم المعلنة، ويهاجرون من دار الدولة المدنية، إلى ديار دولة العسكر، كما حصل في الجزائر وتركية من قبل، ويحصل الآن في مصر.

أما “الإخوة” في التيارات التي ترفع شعار الوطنية، فقد فشلوا في اختبار بدأ منذ الاستقلال، وقد نجدد اختبارهم بمطالبتهم بموقف هو في متناولهم، بإصدار قانون يجرم الاستعمار الفرنسي، ويلزم الحكومة بواجب تحريك مسار دبلوماسي وقانوني، يلزم فرنسا بالاعتذار أولا عن جرائم الاستعمار، ثم بالتعويض عن جرائمها، على غرار ما ألزم به الحلفاء ألمانيا  واليابان بعد الحرب الكونية الثانية.

أنا على ثقة من أن الطوائف الثلاث سوف تفشل في هذا الاختبار البسيط، وأنها قد تتكتل وتتضامن لمحاربة كيان سياسي جديد يدعو إلى إصلاح دستوري، يلزم أصحاب الدكاكين السياسية الوفاء بمضامين الشعارات التي يرفعونها، فلا يسمح مثلا لأصحاب الدكاكين السياسية الإسلامية الدخول في أي منافسة، ما لم يضمنوا برامجهم مبدأ الحاكمية، وتطبيق الشريعة والحدود، واسقاط التعامل بالربا.

ومثلهم يلزم دعاة الدولة المدنية العلمانية بما يلزم نظراؤهم في الدول العلمانية الغربية، من الدعوة الصريحة إلى الفصل بين الدين والدولة، فضلا عن الاعتراف بحق الأغلبية في تشريع ما تشاء من القوانين، متى فازت بالتفويض الشعبي، وألا ينتقلون إلى الدعوة للانقلاب حال وصول أحزاب إسلامية، تكون ملزمة بنص الدستور بتنفيذ برنامجها الإسلامي، وأخيرا لا يسمح بالمشاركة للأحزاب التي تدعي المرجعية الوطنية، ما لم تضمن برنامجها سياسات تعلي من السيادة الوطنية، واستقلالية القرار الوطني، وتسارع إلى سن قوانين تجرم صراحة الاستعمار، وتطالب بالتعويض عن جرائمه.

 .

حكومة من الشباب لدولة من المعمرين

بقي امتحان أخير جماعي للطوائف الثلاث، يختبرهم في الموقف من واجب نقل السلطة إلى جيل الشباب ما دام جميعهم، بدءا من الرئيس، يقر بأن الجيل الحاكم في المشهد قد تحققت فيه شروط “جيل طاب جنانه” وأنه قد آن له أن يحال على التقاعد، وبين يدي وصفة إصلاحية سهلة، تسمح لجيل الشباب بتولي قيادة البلد، مع تأمين الوظائف الملكية للدولة بيد الكهول وحتى المعمرين من جيل ما قبل الاستقلال.

فبوسعنا، عبر تعديل دستوري سريع، تبني مبدأ “الفصل بين الدولة والسلطة” عبر تبني نظام رئاسي وبرلماني متعايش، سوف اشرحه في مقال قادم بتفصيل أوسع، يتنافس فيه الكهول وحتى المعمرون على منصب رئاسة الدولة، بسلطات واسعة للرئيس على وظائف الدولة الملكية: في الأمن، والعدالة، والمالية، والشؤون الخارجية، والإدارات الكبرى للدولة، التي تكون خاضعة للقانون، مسخرة لخدمة السلطات المنتخبة وفق القانون، كيفما كانت طبيعة أو مرجعية السلطة التشريعية والتنفيذية المنتخبة، التي تتنافس عليها مكونات مشهد سياسي مفتوح للشباب، محرم على الكهول والمعمرين.

وقتها لن يكون من حق “جيل طاب جنانه” أن يعترض على مسار تشبيب السلطة في البرلمان والحكومة، ما دامت الوظائف الملكية للدولة بيد ممثليه عبر رئاسة الدولة، ومؤسساتها الملكية الضامنة لبقاء الدولة، تحفظها من تداعيات قلة خبرة جيل الشاب ومن أخطائه المتوقعة.

ثم أن إحداث هذا الفصل الدستوري بين الدولة والسلطة، أو بين المؤسسات الدائمة للدولة، والسلطات التنفيذية الخاضعة للتداول، سوف يضمن لنا في الحد الأدنى: تحييد الجيش والمؤسسات الأمنية من السياسة، كما يضمن حياد الإدارة الملزمة بخدمة أي سلطة منتخبة وفق القانون، وتكون محمية من استبداد السلطة التنفيذية، ناهيك عن قيام قضاء مستقل، تقع مسؤولية حمايته على رئيس الدولة من تغول السلطة التنفيذية، ونظام مالي ونقدي مستقل محمي من عبث الحكومات.

وقتها يكون بوسعنا أن نتحمل برلمانا يعمره الشباب، وحكومة من نفس المعدن، قادرة على المجازفة والإبداع وهي محمية من الزلل، مقيدة قانونا باستقلال الإدارات التي تخدمها، خاضعة للمساءلة القانونية أمام قضاء مستقل، لا تتعطل معها الدولة في وظائفها الملكية حال حصول أزمات سياسية في البرلمان أو الحكومة، لأن الدولة تبقى قائمة، تسير إداراتها الأعمال والخدمات إلى حين تسوية الأزمات البرلمانية أو الحكومية.

هاهنا جملة واحدة من بين جمل إصلاحية كثيرة هي في متناولنا، أدعوا القراء إلى إعمال الفكر فيها، كما أدعو الطبقة السياسية بجميع أطيافها على الأقل إلى إدراجها في حواراتها الداخلية، إن كانت أصلا تقيم حوارات بين مناضليها وكوادرها، أو تدعونا إلى ما عتدها من بدائل إصلاحية، تغرينا على تغيير الأحصنة النافقة، من غير أن نقع في ما وقع فيه أشقاؤنا من دول الربيع العربي.

مقالات ذات صلة