-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حتى لا تسقط الدولة ويُستباح الوطن

حبيب راشدين
  • 4523
  • 15
حتى لا تسقط الدولة ويُستباح الوطن

قبل البحث في فرص بناء توافق وطني على عقد اجتماعي جديد، يُصلِح ما أصاب الدولة من ضعف وهشاشة، يحسن بنا أن نشجع السلطة والمعارضة على إعلان عاجل لهدنة، لا غالب فيها ولا مغلوب، تخرجهم من خنادق تخريب البلد عن بُعد إلى طاولة يصنع حولها توافقا مؤقتا حول وسائل منع الدولة من الانهيار، وتحصين الجبهة الداخلية من تهديدات حقيقية متوقعة ومرصودة في سنة قادمة حبلى بالمخاطر والتهديدات.

السنة الجديدة التي تحلّ علينا بعد أسبوع من الآن، هي بجميع المقاييس أخطر سنة منذ بداية هذه الألفية، حبلى بكثير من المخاطر والتهديدات ليس على الشعوب والدول الهشّة فحسب، بل على مجمل التوازنات الدولية المختلّة، في عالم يودع مكرها منظومة القطب الواحد، وهو لم يستسلم بعد لإدارة متعددة الأقطاب، مع اقتصاد عالمي أسس بنيانه على شفا جرف هار، وحروب بالوكالة سوف توسّع رقعتها، وأزمات مالية ونقدية قد تحول دولا غنية إلى بلدان متسولة في بحر ساعة، ناهيك عن تعاظم وتنوع أشكال جديدة من الحروب الناعمة التي تستهدف تفتيت النسيج الاجتماعي، وضرب مكونات الهوية في الدين واللغة، تريد انتزاع إدارة الشعوب من أيدي نخبها الأهلية.

لأجل ذلك ما كان لنا أن نرتعش هكذا ساعة تراجع أسعار النفط، بقدر ما يحسن بنا أن نفزع لحالة الانسداد السياسي المزمن، وتعاظم صور الشلل والتخشّب في سلوك الدولة، وخلود مؤسساتها ورجالاتها إلى الأرض، وقلة حيلة من بيده سلطة القرار، وغياب بدائل مطمْئِنة بيد المعارضة.

بكل أمانة وتواضع ينبغي أن نعترف أن الدولة الجزائرية غير مؤهّلة اليوم لمواجهة التحدّيات القادمة، لا على المستوى الأمني ـ حتى مع تثمين الجهد والعبء الملقى على مؤسسة الجيش والمؤسسات الأمنيةـ ولا على مستوى الأمن الاقتصادي ـ حتى مع وجود احتياطي مالي قد يتبخر بين عشية وضحاهاـ ولا على مستوى الأمن الاجتماعي ـ حتى مع افتراض توفر أدوات شراء السلم الاجتماعي بعملة القردةـ ولا على مستوى الأمن السياسي، حتى مع افتراض عجز المعارضة عن إرباك السلطة فوق ما تتحمل.

أمنياً، لا يعقل أن نترك المؤسسة العسكرية والأمنية عارية الظهر، في مواجهة تهديدات حقيقية متفاقمة على طول حدودنا، لا نعلم كيف ستحرك جبهاتها، وتنشط فتأخذنا على حين غرة، وكل جيش في حالة حرب ـ وجيشنا اليوم في حالة حرب ـ يحتاج إلى ظهير قوي من جبهته الداخلية، التي تحتاج في الحد الأدنى إلى امتناع الفرقاء في السلطة كما في المعارضة عن استدعاء المؤسسة كقوة ترجيح ومغالبة، أو حتى كحَكم في الخصومات السياسية المزمنة.

اقتصادياً، ليس من الحكمة اليوم الاكتفاء باستدعاء بعض المقاربات التقنوقراطية لمواجهة تراجع أسعار النفط، بالتسويق لسياسة تقشّفية مرتجلة، قد تعمل كحاطبٍ بليل، فتوفر صاعقا أو أكثر لتفجير الجبهة الاجتماعية، فيما نحن بحاجة إلى توظيف الأزمة الراهنة للدخول بجدّية في مقاربة جديدة لتنمية البلاد، لا تكون بالضرورة بالوصفات التقليدية التي فشلت زمن الاقتصاد الموجه كما بعد تبني اقتصاد السوق في تحرير اقتصادنا من التبعية المطلقة للجباية النفطية.

على المستوى الاجتماعي سوف نحتاج إلى طمأنة الشرائح الأكثر هشاشة، ليس عبر مواصلة العمل بنظام الدعم الذي يذهب الجزء الأكبر منه إلى جيوب أرباب الاستيراد، ولا بمغالطة الأجراء والموظفين بزياداتٍ في الأجور يسحقها التضخّم في بحر شهور قليلة، بل بتفعيل إجراءين اثنين قد سبقتنا إليهما أممٌ كثيرة زمن الأزمات.

الأول: بالاعتماد على العمل وخلق مناصب الشغل كأفضل وسيلة لتقسيم الثروة والأعباء، ليس بأدوات اقتصاد السوق الخاضعة لمقياس الربح والخسارة، بل عبر فتح ورشات تشغيل ضخمة ذات منفعة عامة في الإنشاءات القاعدية، واستصلاح الأراضي، والبناء، وإعادة تهيئة المدن، بالوسائل والتقنيات والخبرات المحلية الصرفة.

الثاني: بفرض نظام جبائي استثنائي على الثروات الضخمة التي تشكّلت في العقدين الماضيين، وتوظيفها حصراً لصالح تضييق الهوّة بين الأثرياء والمعدمين.

أخيراً، نحتاج على المستوى السياسي ـ وهو الأهم والأكثر إلحاحاًـ  إلى إعلانهدنةاستثنائية تسمح للسلطة كما للمعارضة بالخروج الآمن من الخنادق والسراديب بلا رايات بيض، إلى طاولة الحوار للبحث في نوعين من التوافقات:

 توافق عاجل حول ما يمكن فعله الآن على المستوى الأمني، والاقتصادي، والاجتماعي، لمواجهة تهديدات حقيقية مرصودة ومتوقعة، وتمكين الدولة الجزائرية ـ بما هي عليه من هشاشة، وأعطال، وقصورـ  من الوفاء بأدنى واجباتها ومسؤولياتها الأمنية، من حفظ الاستقرار، وحماية السيادة الوطنية، لنرسل برسالة قويّة واضحة لطرفين.

الأولى: لجيشنا الوطني الشعبي، وأجهزتنا الأمنية، نطمئنها حيال سلامة الجبهة الداخلية التي نحصّنها بتوافق اضطراري بين أبنائها، وبالتأجيل الطوعي لبعض المطالب الفئوية، يقابله ترشيدٌ ظاهر في صرف المال العامّ، وقدرٌ أكبر من الشفافية في إدارة الشأن العام، حتى يتفرّغ الجيش الوطني الشعبي لمهام حماية الحدود، والتصدي لأزماتٍ أمنية قادمة، لا نعلم يقيناً أين ستفجّر ألغامها في الغد القريب؟

الثانية: رسالة في اتجاه كل من يضمر الشر لهذا البلد في الداخل والخارج، أو يتربص له فرصة الانقضاض والعبث بأمنه، حتى يكون الجميع على بيّنة من أن خلافاتنا وصراعاتنا الداخلية على السلطة والمال، هي شأنٌ داخلي لا يمكن أن نسمح لأحدٍ بركوبه.

غير أن هذا التوافق العاجل الذي لا نملك بديلا عنه، ولا يكلّفنا أكثر من التزام علني للنخب وقادة المكوّنات الاجتماعية به كحد أدنى، غير مقيّد بشروط  مسبقة ولا بحسابات مضمرة، يحتاج بل يلزمنا بالتفرغ لبناء توافق وطني دائم يأخذ فرصته من الوقت والبحث والتشاور، يبدأ بقبول الجميع بتشخيص عقلاني، موضوعي، وحيادي لمَواطن العلل، وبؤر التعطيل، ودروب الفشل التي انساقت إليها البلد في الربع قرن الأخير، والتي تمنع اليوم دولة بحجم الجزائر، وبمقدراتها المادية والبشرية، وقدرة شعبها على العطاء بغير حساب، من الوفاء بأبسط واجباتها تجاه مواطنيها، لترتعد فرائص نخبها عند أول وعكة صحّية تصيب رأس الدولة، ويصيب سلطتها الزكام كلما عطس مؤشرُ أسعار النفط.

وفي كل الأحوال فهذه فرصة ـ ربما الفرصة الأخيرة المتاحة لناـ لتجديد توافق وطني، قد أضعنا فرصة بنائه مرّتين في التسعينيات، حين خُدعنا بدستور مغشوش ملغّم بالصواعق والمعطلات، ثم حين اعتبر بعضهمتوافق سانت إيجيديولا حدث، وكانت الثالثة حين أفرغ قانون الوئام من محتواه السياسي، والرابعة أهدرتها السلطة والرئيس على وجه التحديد غداة رئاسيات 2004، وأخيرا الفرصة المتاحة اليوم، وقد اقتنعت السلطة كما المعارضة، على الأقل على مستوى الخطاب، بحاجة البلاد إلى إصلاحات تراجع بنية الدولة بالكامل، بمقاربة حكيمة لتغيير متحكّم فيه، لا يحرق المراحل، ولا يطعن في المؤسسات القائمة، ولا يغبط حق بقية المكوّنات الاجتماعية في المشاركة في صناعة وبناء عقد وطني توافقي، يؤمّن لعقودٍ قادمة التنافس المشروع والآمن على السلطة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
15
  • azzizben

    هاؤلاء افسدوا ومن افسد لايصلح سيدي.كلامك جميل وعين العقل حين يخاطب من يفكر بالعقل مصلحة الأمة. ولايلزم صعلوك او من لايفكر الافي النهب ولتذهب الجزائر الى الهاوية مسكين بلدي

  • عزالدّ ين

    بارك الله فيك ياأستاذنا الحبيب فلقد كان تحليلك واستشرافك للأوضاع المحلية والإقليمية و حتى العالمية كان دومًا صائبًا والأحداث تصدق ذلك. بأسلوب ممتع للقراءة ، وكأني أقرأ للشيخ البشر الإبراهيمي رحمه الله.

  • بدون اسم

    حتى شيات ما يربح

  • بدون اسم

    لا يوجد حل في الجزائر لسبب بسيط وهو اننا ابتلينا باداره و سلطه غير امينه و جاهله باساليب الاداره .. عندما كان البترول بـ 120 دولار كان الجزائري البسيط يوفر بالكاد شكاره الحليب الممزوج بالنشا و البطاطا لعياله لم تغير الثروات و الملايير التي كانت تدخل البلاد في حياته الشئ الكثير و اليوم مالذي سيتغير اللهم الا ان يزيدوا كميه النشا بالحليب او يتناول البطاطا مرتين بالاسبوع و اللحم مره بالشهر .. الامه الاقتصاديه ستعصف بكبار السراق اصحاب الشكارات لا تفقرهم بل تقلل مما يسرقون وهؤلاء لا يهمونا بشئ

  • algerien

    أوافقك الرأي
    الثاني: بفرض نظام جبائي استثنائي على الثروات الضخمة التي تشكّلت في العقدين الماضيين، وتوظيفها حصراً لصالح تضييق الهوّة بين الأثرياء والمعدمين.

  • أبو رضا المعسكري

    أوافقك الرأي يا أخي فقد اشتهدت فأصبت وأضيف على كلامك أن أغلب خيوط هذا الطرح في يد السلطة فإذا صدقت النوايا مع الجدية في التوجه وليس المناورة وأشركت المعارضة وكل التوجهات الفكرية والاجتماعية في هذه الخطة فسوف نصل الى بر الأمان لكن قبل ذلك يجب تواري وجوه مسببات الأزمة لأنها استفزت الشعب الى درجة الإشباع من جهة ومن جهة أخرى لإعطاء إشارات قوية للآخرين بأن الأمر جدي. وأقول تواري ولا نريد محاسبة أحد لأن التوجه نحو المستقبل أفضل من البقاء في الدائرة المفرغة.

  • Fares

    يقبل البطل ان يقتل بسبب الخيانة. فمن يقبل ان يموت في سبيل الوطن اذا علم ان التاريخ سيكتبه خائنا? و من يفهم كلمة وطننا?

  • Fares

    و لكي يتمكن البطل من اغتيال الامبراطور يجب عليه ان يتقدم اكثر و لذلك يجب عليه ان يفوز بثقة الامبراطور. يضحي ثلاثة من اصدقاء البطل, اشد اعداء الامبراطور, الثوار ...بحياتهم لكي يدعي البطل قتلهم و ينال ثقة الامبراطور فيدعه يقترب. يقترب البطل و يقفز على الامبراطور و فجاة يتراجع و قد فهم معنى كلمة مكتوبة على سيف اهداه اليه احد الثوار. الكلمة هي ارضنا او بلادنا. فهم البطل انه اذا قتل الامبراطور فسيكون فساد كثير و تستباح الدماء و انه على شر الامبراطور فانه الوحيد القادر على جمع شمل البلاد.

  • Fares

    البطل هو عنوان فيلم يحكي قصة اغتيال الامبراطور في مقاطعة كين في الصين في سنة 227 قبل الميلاد. القصة تعيد صياغة مفهوم البطولة بمعناها الكلاسيكي. قيل عن الفلم انه رائعة سنمائية و قيل عنه انه غسيل دماغ من الحقبة الشيوعية. اثار جدلا واسعا. خوفا من اغتياله يقوم الامبراطور باصدار تعليمة تمنع اي شخص من الاقتراب منه ب 100 متر و لكي يتمكن البطل من اغتيال الامبراطور يجب عليه ان يتقدم اكثر و لذلك يجب عليه ان يفوز بثقة الامبراطور. يضحي ثلاثة من اصدقاء,اشد اعداء الامبراطور, البطل الثوار بحياتهم لكي يدعي البط

  • ابن فتاح حسن

    ارى ان كل المقاربات تقفز على على حقيقة اساسية و اولية .هي عدم الانغراس التاريخي لشعبنا و نفوره الابدي من الهرمية الاجتماعية ، السياسية و العسكرية ماترتب عنه ادمان الاحتلالات .و هاته الحساسية من الدولةالوطنية هي التي افشلت كل الانظمة الاقتصادية المتعاقبة سواءاكانت اشتراكية ام ليبيرالية .و في اعتقادي ان المخرج هوفي تحالف النخب السياسية ، الفكرية و الصحفية . ضد هاته النزعة الانتحارية لدى الشعب الجزائري عوض نشدان وده بالخطب المدغدغةو المقالات الغزلية.

  • عبدالقادر

    لا غالب و لا مغلوب يا استاذ يا عاقل لن تجدها في بلاد العربان و منها الجزائر. التغنات تكسارت هو شعار النظام و المعارضة معا فعلى الاقل في الوقت الراهن و الذي يعتبر خطير جدا و لهذا يجب ان يكون فكر وسطي بينهما يدعوا للتعقل و التروي و ابعاد البلاد و العباد عن الفساد الذي ياتي من وراء العناد. الجزائر تحتاج في الوقت الحاضر لكل مجهودات الخير و التعقل و النظر للامور بعين الحق و الصدق و الابتعاد عن الكذب و الشقاق و النفاق الذي يتميز به بعض الرفاق في المهارضة و في المولاة والسير بنا الى نفق ليس به افاق.

  • سعد

    يبدو ان كاتب المقال يعيش في المريخ، فمن المسلمات التي يأمن بها اي سياسي جزائري أن اصحاب القرار في هذه البلاد لا يبالون بما تقوله المعارضة ولو انجر علي ذلك هلاك الشعب كله ، فعن اي توافق يتحدث الكاتب هذا من جهة ومن جهة اخري ، يتحدث الكاتب عن انتاج الثروة خارج النفط وهذا الكلام ميؤوس منه لان النظام منح كل الفرص ولم يستغلها حتي يستغلها اليوم. باختصار مسؤولينا يحسنون تسيير الفساد وحقائبهم في انتظار الاتجاه الي باريس عند حصول اي مكره لهذه البلاد لا قدر الله.

  • عبد الله

    ربما الفرصة الأخيرة المتاحة لناـ لتجديد توافق وطني، قد أضعنا فرصة بنائه مرّتين في التسعينيات، حين خُدعنا بدستور مغشوش ملغّم بالصواعق والمعطلات، ثم حين اعتبر بعضهم "توافق سانت إيجيديو" لا حدث، وكانت الثالثة حين أفرغ قانون الوئام من محتواه السياسي، والرابعة أهدرتها السلطة والرئيس على وجه التحديد غداة رئاسيات 2004، وأخيرا الفرصة المتاحة اليوم، ...

  • بدون اسم

    ليت قومي يسمعون بل هم من أجل الكرسي مهووسون؟

  • قاسم

    لقد شخصت وحللت الواقع واستنبطت الحلول سيدي يا حبيب الراشدين، لكن للأسف الشديد من بيدهم القرار في اعلى هرم السلطة لا يلتفتون لمقالاتك و لا يستمعون لعقلاء هذه الأمة .. ويقلب يعتصر الما على بلدي العزيز الغالي وبالنظر للمعطيات المتوفرة من الواقع المعاش ووضعية التردي في كل المجالات وخاصة على مستوى الاخلاق وانهيار سلم القيم كلنا نشاهد قطار الجزائر يتجه للهاوية ونحن نتفرج ولا نحرك ساكنا وللاسف الدولة سقطت في ايدي المافيا واستباح الوطن .. وتستمر المؤامرة بايدي خونة امانة شهداء هذا الوطن ربي وكيلهم