الرأي

حتى لا نقع في‮ ‬النّكوص‮!‬

محمد سليم قلالة
  • 3006
  • 0

الممارسات السياسية إما تدفع الناس نحو المستقبل،‮ ‬نحو الأمل،‮ ‬نحو الثقة في‮ ‬النفس،‮ ‬نحو الاستعداد للتضحية لبناء مجتمع متماسك ومتراص،‮ ‬أو تدفعهم نحو الشعور بالعودة إلى ماضٍ‮ ‬تعيس،‮ ‬نحو اليأس،‮ ‬نحو اهتزاز الثقة في‮ ‬الذات والقدرات،‮ ‬نحو الخمول والكسل ومزيد من الأنانية والانغلاق على الذات وتحطيم ما بقي‮ ‬قائما من البناء‮… ‬وفي‮ ‬مجتمعات مازالت هشة أو هي‮ ‬في‮ ‬طور البناء‮ ‬يمكن لقرارات مهما بدت لأصحابها بسيطة أن تقلب الأمور رأسا على عقب،‮ ‬وأن تحوّل اتجاهها‮ ‬في‮ ‬زمن قصير من التطلع نحو التحول الإيجابي‮ ‬القائم على البناء والتشييد،‮ ‬إلى الانحراف نحو التحول السلبي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يعرف سوى التحطيم والتخريب‮. ‬نحن نريد لممارساتنا السياسية أن تعرف الاتجاه الصحيح وألا تدفع بالمجتمع لينكص على عقبيه بعد أن بدا واثقا أنه سيعرف التحول الصحيح في‮ ‬المستقبل‮.‬

لعل هذا ما بدا لي‮ ‬اليوم وأنا أتابع موقف الرأي‮ ‬العام مما اُتخذ من قرارات كانت لها علاقة بالتحول الجاري‮ ‬على مستوى السلطة،‮ ‬من تغييرات على مستوى القمة،‮ ‬إلى متابعة بعض الأشخاص قضائيا،‮ ‬أو التضييق على آخرين اقتصاديا،‮ ‬أو إعلاميا‮… ‬بدا لي‮ ‬أن مثل هذه الممارسات إنما أعادت إلى الأذهان أساليب عملٍ‮ ‬عفا عنها الزمن،‮ ‬وأخطر ما فيها،‮ ‬بغضّ‮ ‬النظر عن الدوافع من ورائها،‮ ‬وما إذا كانت مؤسسة أو‮ ‬غير مؤسسة،‮ ‬أنها أعادت للناس الشعور بأنهم‮ ‬يعودون ربع قرن إلى الوراء‮. ‬

إن مثل هذه الممارسات‮ ‬غير متطابقة مع طبيعة المرحلة التي‮ ‬وصلت إليها بلادنا،‮ ‬فما بالك أن تكون حاملة لمؤشرات عن أساليب مُثلى في‮ ‬الحكم وفي‮ ‬التسيير ستسود في‮ ‬المستقبل‮. ‬ومشكلتنا الكبيرة أن‮ ‬يعود هذا الشعور وفي‮ ‬هذا الظرف بالذات،‮ ‬حيث تمر البلاد بضائقة مالية،‮ ‬وتعرف تهديدات من كل نوع على حدودها،‮ ‬وضغوطاً‮ ‬خارجية لا‮ ‬يعلم حجمها إلا من هم في‮ ‬قلب المعركة‮.‬

يبدو لي‮ ‬أن هناك خللا في‮ ‬مجال الرؤية في‮ ‬هذا الجانب بالذات،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬بدأ مجتمعنا‮ ‬يحس بأننا‮ ‬يمكن أن نعرف تحولا حقيقيا في‮ ‬السلطة نحو الأفضل،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كاد‮ ‬يجزم أنه تجاوز بسلام مرحلة الخطر وتمكَّن من التكيف مع مقتضيات الوضع الدولي‮ ‬الجديد‮ (‬بعد ما سُمِّي‮ ‬بالربيع العربي‮)‬،‮ ‬وبأن عليه في‮ ‬السنوات القليلة القادمة أن‮ ‬يبني‮ ‬دولته العصرية القادرة على أن تتجاوز ما تعرفه اليوم من مشكلات‮… ‬في‮ ‬هذا الوقت بالذات تأتي‮ ‬بعض الممارسات ـ الاستعراضية ـ وكأنها تريد قتل المستقبل لدى الناس،‮ ‬ودفعهم نحو النُّكوص نحو ماضٍ‮ ‬بائد وَلَّى وانقضى‮.‬

‭‬أكبر خسارة هي‮ ‬شعور الناس بأنهم لا‮ ‬يتقدمون إلى الأمام بل‮ ‬يعودون إلى الوراء،‮ ‬وأن لا شيء تغير منذ ربع قرن،‮ ‬وأن الممارسات ذاتها هي‮ ‬التي‮ ‬أودت بالبلاد إلى الهاوية في‮ ‬بداية التسعينيات،‮ ‬وأنه عليهم أن‮ ‬يتخلوا عن كل أمل في‮ ‬المستقبل‮.‬

من هذه الزاوية بالذات،‮ ‬أرى مؤشرات التضييق على الإعلام،‮ ‬وأرى أسلوب تعامل السلطات مع بعض التصريحات لبعض المسؤولين السابقين سواء أكانوا مدنيين أو عسكريين،‮ ‬إعلاميين أو ممثلين للمجتمع المدني‮.‬

صحيح‮ ‬يبدو للوهلة الأولى أن السلطات قد كشفت عن صرامتها،‮ ‬وأنها بذلك حاولت تأكيد هيبتها وقدرتها،‮ ‬وأبرزت أن‮ ‬يدها مازالت طويلة،‮ ‬ولكن عند التحليل العميق‮ ‬يتبيّن لنا أن ما حققته من مكاسب هو أقل بكثير مما خسرته،‮ ‬وأكبر خسارة هي‮ ‬شعور الناس بأنهم لا‮ ‬يتقدمون إلى الأمام،‮ ‬بل‮ ‬يعودون إلى الوراء،‮ ‬وأن لا شيء تغير منذ ربع قرن،‮ ‬وأن الممارسات ذاتها هي‮ ‬التي‮ ‬أودت بالبلاد إلى الهاوية في‮ ‬بداية التسعينيات،‮ ‬وأنه عليهم أن‮ ‬يتخلوا عن كل أمل في‮ ‬المستقبل‮. ‬

وهنا تتجلّى لنا مشكلة خطيرة‮ ‬ينبغي‮ ‬التنبيه إليها‮: ‬أن دخول مجتمعنا في‮ ‬مثل هذه الحالة من النكوص ليست أبدا مؤشرا على استقراره،‮ ‬وإن بدا ذلك على السطح،‮ ‬إنما هي‮ ‬مؤشرٌ‮ ‬على أنه‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتحول في‮ ‬أية لحظة من اللحظات إلى اليأس من كل شيء وإلى الانكفاء على الذات،‮ ‬إلى الأنانية،‮ ‬إلى البحث عن طوق نجاةٍ‮ ‬شخصي‮ ‬لا جماعي،‮ ‬إلى الابتعاد عن أي‮ ‬عمل مشتَرك‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يدفع باتجاه التقدم أو بناء الدولة العصرية وهي‮ ‬نتائج سالبة بكل المقاييس‮. ‬وإذا أضفنا إلى ذلك أن تحوّل أي‮ ‬مجتمع إلى حالة الخوف من واقع تعيس هي‮ ‬مرحلة أولى لعودته الفعلية إلى مثل هذا الواقع،‮ ‬فإننا سنكتشف أكثر خطورة مثل هذه الممارسات‮.. ‬إنها ستتجه بنا نحو استبدال مجتمع المستقبل المتطلع للبناء والتقدم،‮ ‬بمجتمع الماضي‮ (‬التعيس‮) ‬الذي‮ ‬كان عنوانه التخريب والتحطيم‮. ‬

ولدينا في‮ ‬تاريخنا الحديث والقديم،‮ ‬وفي‮ ‬تاريخ الشعوب والأمم المعاصرة،‮ ‬ما‮ ‬يؤكد ذلك‮. ‬ما دخلت الدول والمجتمعات العربية وحتى‮ ‬غير العربية في‮ ‬حالات من الاضطراب والفوضى والحروب إلا في‮ ‬ظل ممارسات تسلّطية لم تتمكن من صناعة مستقبل للناس،‮ ‬وما بنت الدولُ‮ ‬العصرية ازدهارها وتفوقها إلا من خلال فتح البدائل المستقبلية الواسعة أمام مواطنيها‮.‬

لم تكن سياسة الغلق أو العودة إلى الوراء في‮ ‬أية تجربة تاريخية مُجدية،‮ ‬سواء الغلق السياسي،‮ ‬أو الغلق الاقتصادي،‮ ‬أو الغلق الثقافي‮.. ‬باستمرار،‮ ‬كانت السياسات المتطلعة نحو المستقبل هي‮ ‬الأكثر قدرة على البقاء والازدهار،‮ ‬وهي‮ ‬الأكثر قدرة على إرساء أركان الدولة العادلة وعلى بناء الحضارة‮.‬

ماذا فعلت الحكومات المغلقة بإعلامها المغلق واقتصادها المغلق ودوائر القرار المغلقة التي‮ ‬لا‮ ‬يعرف أحدٌ‮ ‬كيف تُدار،‮ ‬سوى أن عجلت سقوطها أو تسببت في‮ ‬انهيار مجتمعاتها وتفككها؟

‭‬ما دخلت الدول والمجتمعات العربية وحتى‮ ‬غير العربية في‮ ‬حالات من الاضطراب والفوضى والحروب إلا في‮ ‬ظل ممارسات تسلّطية لم تتمكن من صناعة مستقبل للناس،‮ ‬وما بنت الدولُ‮ ‬العصرية ازدهارها وتفوقها إلا من خلال فتح البدائل المستقبلية الواسعة أمام مواطنيها‮.‬

وعلينا نحن في‮ ‬هذا الظرف بالذات أن لا نختار هذا الطريق‮.‬

لقد بات المجتمعُ‮ ‬الجزائري‮ ‬منذ سنوات‮ ‬يتطلع أكثر إلى المستقبل بعد أن طَوى ورقة ماضيه القريب‮ (‬العشرية السوداء‮) ‬إلى‮ ‬غير رجعة،‮ ‬ولم‮ ‬يعد‮ ‬يرغب في‮ ‬أية ممارسات من شأنها أن تذكره بذلك الماضي‮ ‬التعيس الذي‮ ‬عرفه منذ رُبع قرن،‮ ‬بل كل تطلعه الآن هو أن‮ ‬يستفيد من أخطاء هذا الماضي‮ ‬وأن‮ ‬يفتح باب المستقبل على مصراعيه‮. ‬لقد وصل الجزائريون بالفعل إلى مثل هذه القناعة مباشرة‮ ‬غداة العشرية السوداء،‮ ‬وكان‮ ‬يمكن أن تكون تلك بداية الانطلاقة نحو الالتحاق بالأمم العصرية والتقدم،‮ ‬لولا أن طالت مدة الانتظار وكادت تنقضي،‮ ‬حتى ما إذا ما بدت تلوح في‮ ‬الأفق في‮ ‬السنوات الأخيرة بعض القوى القادرة على تجديد هذا الأمل قبل فوات الأوان،‮ ‬بدأنا نشعر اليوم وكأن قوى مضادة تريد منعنا من ذلك،‮ ‬بل والدفع بنا مرة أخرى إلى التفكير في‮ ‬إمكانية عودتنا إلى تلك الأساليب التي‮ ‬إن كان في‮ ‬مقدروها استعادة شكل هيبة الدولة،‮ ‬لا‮ ‬يمكنها إطلاقا استعادة جوهرها،‮ ‬الأكثر أهمية بكل المقاييس‮.‬‮ ‬

مقالات ذات صلة