حتى لا ننسى!
كنـّا صغارا، في صبيحة ذلك اليوم البارد، من الخامس أكتوبر 1988، عندما بدأ التلاميذ يعودون من المدارس، وكنـّا منهم، بعد اقتحام “مجموعات ملثمة” للأقسام وإجبار الجميع على الخروج والمغادرة، ولم نفهم الحكاية، ومنا من “فرح” لهذه العطلة غير المنتظرة!
وفي الطريق إلى البيوت، بدأت تنتشر روائح غير طبيعية، تجار شرعوا في غلق محلاتهم، طرقات تكاد تكون خاوية، تجمعات صغيرة لكبار وصغار أمام منازلهم، أصوات حكمة تنصح بدخول المنازل!
وبدأ الخوف يتسلّل إلى نفوس الآمنين، وبدأت أخبار تتلاحق من هنا وهناك، عن أعمال عنف وتكسير وتخريب للمؤسسات العمومية، مع ظهور “قطاع طرق” استغلوا الوضع لنهب الأملاك الخاصة والعامة!
وفجأة دخان حرائق.. سوق الفلاح تمّ حرقه ونهبه، تخريب البريد ورشق بالحجارة للمدارس والإدارات والبلدية ولكلّ ما يرمز إلى “الدولة”، وعمّ الفزع، وتوحّد السكان حول دعاء واحد موحّد: “ماذا يجري.. الله يجعل الخير”.. ولم يفهموا حقيقة هذا الانزلاق!
وانتقلت الأحداث أو “الانتفاضة” من شارع إلى شارع، ومن مدينة إلى مدينة، ومن ولاية إلى ولاية، وكانت العاصمة والولايات الكبرى الأكثر تضررا وضرارا، وتأكد بعدها المواطنون أنها بداية نهاية “ثورة السوناكوم” التي بدأت بإضراب عام شنه آلاف العمال بالمنطقة الصناعية لرويبة!
وكانت كلّ الألسن تردّد بلا تردّد: ماذا يجري؟ الجزائر إلى أين؟.. وظهر في تلك الليلة، الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، “يبكي” الوضع ويسأل: “لصالح من هذا؟”.. وفهم “الغاضبون” أو تعاطفوا مع الرئيس أو تضامنوا معه، فخرجوا في اليوم الموالي في مسيرات “عفوية” مؤيّدة له وداعية إلى وقف الاحتجاجات وعمليات الحرق والتخريب!
و”داخ” الجزائريون، سواء الذين احتجوا في الخامس أكتوبر، أم الذين اكتفوا بالتفرّج، أم الذين خافوا على مصير البلاد، عندما تمّ الإعلان عن تسليم الحزب الواحد شهادة وفاته باعتماد التعددية الحزبية وميلاد شيء جديد لم يعرفه الغاضبون ولم يُطالبوا به.. اسمه الديمقراطية!
”ثورة الخبز” والاحتجاج على انهيار القدرة الشرائية التي تعمّقت بعد أزمة 1986، منحت الجزائريين أكثر من 50 حزبا “بشلاغمهم”، ولم يستيقظوا من كابوس أكتوبر، حتى دخلوا في محنة أخرى كانت للدمّ والهمّ والدموع، بعدما ظهر الإرهاب وأدخل البلاد والعباد في نفق مظلم لعشرية كاملة.
..هي 27 سنة، كانت للتجربة والخبرة، والاتعاظ من الدروس، وتصحيح الأخطاء.. فذكـّر لعلّ الذكرى تنفع الجزائريين وحتى لا ننسى الوجع.