حتى نعلم من الكذاب الأشِر
في بحر أسبوع سُجِّلت أحداثٌ صغيرة وكبيرة في ربوع العالم تشهد كيف يحكم المستبدُّون بالأهواء والأكاذيب وبتسويق المعلومة بأكثر من مسطرة قيمية، وفق القاعدة التي تقول: “التاريخ يكتبه المنتصِر” أو قل يكتبه الكذاب الأشِر في إعلام مسخَّر لخدمة القتلة من العلية التي لا تستحي من ليِّ ذراع الحقيقة، والجهر بالزور، والعبث بعقول شعوب هي عندهم كبهيمة الأنعام أو هي أضلّ.
الحدث الأول جرى بالقدس التي شهدت أول عملية فدائية استهدفت عسكر الصهاينة، فكان الهمُّ الأول للكيان الصهيوني أن يسارع لتكذيب مسؤولية “داعش” مع صدور تبني صريح من التنظيم، وقد حصل تقاطعٌ في التقييم بين الكيان الصهيوني والفصائل الفلسطينية التي نفت بدورها مسؤولية “داعش” وألقت أقلامها أيها تكفل العملية، ولا بد أن واحدا من الأطراف إنما هو كذابٌ أشِر، إلا أن تكون مصلحة الكيان والفصائل قد تقاطعت عند تبرئة ذمَّة “داعش” التي لا يحق لها أن تنافس محور الممانعة والمقاومة في متجر المقاومة.
وغير بعيدٍ عن القدس، انتقلت إيران من توجيه الاتهام للسعودية بالمسؤولية عن الحادثين الإرهابيين اللذين استهدفا ضريح الخميني والبرلمان إلى تأديب “داعش” بإطلاق صواريخ بعيدة المدى نحو مدينة الرقة، لتكذب بنفسها ما نسبته من قبل للسعودية، ثم نصغي بقدر من الحيرة والريبة إلى وزير خارجية إيران، وهو يدَّعي من الجزائر استعداد بلده لتسوية النزاعات التي تمزِّق دول المشرق العربي.
وفي هذا المشرق المستباح اختار التركي أردوغان الأزمة القطرية ليستبيح بدوره الفضاء الحيوي لأشقائه العرب بإرسال طلائع لقوات تركية لا أحد يعلم من ستقاتل وهي جزءٌ من قوات النيتو حتى إشعار آخر، ربما لأن أردوغان الذي “حُرم” من محاربة “داعش الأولى” في شمال سورية يكون قد كُلف بالاقتراب من قلب جزيرة العرب استعدادا للمشاركة في محاربة “داعش الثانية الأخرى” التي ستُشكَّل عما قريب لتمزيق جزيرة العرب تحت راية كاذبة أخرى تسمى “استئصال السلفية الوهابية” الموضوعة على “دكة الاحتياط” لتنشيط الحروب القادمة المزمنة تحت رايات الإرهاب الكاذبة.
هذا غيضٌ من فيض مما يمرُّ عليه الكذاب الأشِر في الإعلام المهيمن مرور الكرام كما مرَّ على تقارير أممية رسمية ذكرت على استحياء عمليات الإبادة الجماعية الواسعة التي يتعرَّض لها المدنيون العُزَّل في الموصل والرقة تحت ضربات طيران التحالف الأمريكي العربي الغربي وطيران محور الممانعة الروسي الإيراني الذي تعزز هذا الأسبوع برجم صاروخي إيراني ربما يكون قد “أخطأ” تل أبيب فسقط بالصدفة على الآمنين بمدينة الرقة.
ولأنَّ الأسبوع المنصرم كان حافلا بالمعلومة الكاذبة وأساطير الأولين والآخرين فلا بد أن نلتفت إلى “أم” الأساطير فيما أشيع عن انتصار الديمقراطية على “الهمج” من المتطرِّفين في فرنسا، حيث أمكن لحزب تشكل منذ أقل من سنة حصادُ أغلبية المقاعد بنسبة من الأصوات تقلُّ عن 19 في المائة من كتلة الناخبين لم يشارك منها سوى 19 مليونا من بين 46 مليون مسجل، ومع ذلك لن تجد في الإعلام المهيمن من يطعن في شرعية البرلمان الفرنسي الجديد، كما لن تجد فيه من يطعن في حق الروس والأمريكان وحلفائهم من العرب والعجم في قتل المدنيين العزل بالموصل والرقة بحجة محاربة أعداء الديمقراطية من الإرهابيين.