حجاج يبكون موتاهم.. حسرة وغضب من الفوضى وسوء التنظيم
“لن أعود إلى مكة مرة أخرى.. عاملونا معاملة سيئة.. لم نفهم ما الذي تغير.. سوء التنظيم كان وراء حدوث كارثة الرافعة ومجزرة التدافع”.. هي تصريحات أدلى بها الفوج الثاني من الحجاج العائدين إلى أرض الوطن، في حج صنفوه في خانة الأسوإ منذ سنوات. حجاج أدوا المناسك عدة مرات وآخرون كانت لهم المرة الأولى، منهم من كان راضيا ولم يهمه سوى رؤية بيت الله الحرام وأداء خامس ركن من أركان الإسلام، ومنهم من كان ناقما على موت إخوانه من الحجاج أمام عينيه، وسط معاملة وصفت بالسيئة من طرف البعض والحسنة من طرف آخرين، في ظل غياب للتنظيم سواء تعلق الأمر بالمسؤولين الجزائريين أم السعوديين.
وصلت أمس في حدود الساعة الرابعة والربع مساء ثاني رحلة لحجاجنا الميامين إلى أرض الوطن، بعد أن كانت مبرمجة في حدود الساعة الواحدة و20 دقيقة. التأخر أرجع إلى أسباب تنظيمية أخرت أغلب الرحلات، بما فيها الرحلة الأولى التي وصلت إلى مطار هواري بومدين الدولي، صبيحة أمس، في حدود الساعة الثالثة صباحا، بين ناقم وسعيد عاد أكثر من 300 حاج إلى أهاليهم سالمين بعد أن تجنبوا سقوط الرافعة والازدحام الذي أودى بحياة أكثر من 700 حاج. وكان الله الستير، حسب تصريحات حجاج، تحدثت إليهم “الشروق” أمس، كون الكارثة وقعت في المربعات الخاصة بخيم الحجاج الجزائريين.
“خ. أحمد“، 40 سنة، من سطيف، كانت المرة الأولى التي يحج فيها، قال إن الازدحام حدث عند تقاطع الفوج 204 والفوج 223، حيث تواجه الحجاج الذين أدوا شعيرة رمي الجمرات مع أولئك الذين هم مقبلون عليها، وكان أكبر القتلى في المكان الذي خيمت فيه البعثة الجزائرية، حيث المخيمات “92، 93، 91، 100،101″، فاشتد الزحام وأغمي على العشرات قبل أن تدهسهم أرجل الذاهبين والعائدين.. هي حادثة يعتقد الحاج “ب. بوزيد“، البالغ من العمر 67 سنة، المنحدر من بلدية القبة بالعاصمة أنها قضاء وقدر، غير أنه لم يخف أن الحج هذه السنة كان صعبا جدا بسبب الحرارة، “هي المرة الأولى التي أحج فيها وقد لا أعود مرة أخرى لأنني لم أتحمل الحرارة، قد أعود بعد عشرين سنة عندما يكون موسم الحج في فصل الشتاء“. ابنة القبة الحاجة “هـ. سلطانة“، صاحبة الـ 67 سنة، قالت إنها كانت مكان الحادثة عندما وقع الزحام وكانت ترمي الجمرات عندما سمعت ضجيج سيارات الإسعاف. قالت لـ “الشروق” إن ما حدث مقدر ولن يثنيها الأمر عن معاودة الحج إن كتب لها الله ذلك “وإن توفاني الأجل هناك فسيكون الأمر مكتوبا“.
الحاج “ب. علاوة“، ذو 62 سنة، هو الآخر من العاصمة، بدا شاحب الوجه متعبا غير أن الابتسامة لم تغادر محياه، ما جعل الحديث إليه سهلا عكس عدد من الشباب الذين يبدو أن تعب الرحلة أو تأخرها أثر في نفسياتهم، حيث لم يتوقف أحدهم عن الصراخ في وجه والدته التي رفضت الانصياع له وواصلت حديثها معنا. هذا الشاب شأنه شأن شابين آخرين، وشيخ اعتبروا التصريح غير مجد.. الحاج علاوة ورغم أنه كان في البقاع قال إنه لم يسمع بحادثة الرافعة ولا حادثة التزاحم إلا بعد دخوله غرفة الحجيج حيث التقط الأخبار من التلفزيون ومن القنوات الجزائرية على وجه التحديد، يقول إن ما حدث حسب ما رواه من رافقه هو أن السلطات السعودية قامت بغلق الباب الفاصل، حتى تكدس الحجاج وعندما قامت بفتحه اندفع الحجيج ووقعت الكارثة، “ما أعرفه وما شهدته هو أن عمليات دفن الموتى تواصلت من التاسعة صباحا إلى ما بعد صلاة العشاء فالأمر لم يكن هيّنا“. وبحسب رأي الحاج “ب. ن. رضا“، البالغ من العمر 35 سنة، المنحدر من ولاية الشلف، فإن السبب في كل ما حدث كان سوء التنظيم الذي قال إنه كان أسوأ من الموسم الفارط من المطار وإلى غاية أداء المناسك وحتى خلال العودة، “ستكون آخر مرة لي ولن أعود بعد الذي عايشته، نحن كنا بجوار الشارع الذي وقعت به الكارثة، وبالتحديد في الشارع 102″.
الحاجة “يامنة“: “اديت الشيخ معايا.. وليت بلا بيه..
أفواج الحجيج التي كانت مرفقة بأعوان الحماية المدنية، توسطتهم عجوز متوسطة القامة باسمة الثغر، رغم الألم الذي كان يعتصرها، هي الحاجة “ع. يامنة” من مدينة بوقرة بولاية البليدة، “اديت الشيخ معايا وجيت بلا بيه“، كان زوجها الحاج “بوطبال محمد“، البالغ من العمر 84 سنة، قالت لـ “الشروق” إنه خرج للصلاة ولكنه لم يعد، “أخبروني أنه بخير وأنه في المستشفى ولكنني لم أره“، تصمت قليلا قبل الدعاء لنا، ثم تعود لتتحدث عن شريك عمرها قائلة: “يقال إنهم دهسوه عندما سقط وهو متوجه إلى المسجد وهو الآن في بيت الله يعالج.. كان سيموت في قبر النبي حيث كان التدافع بعد أن ضربه الحجاج على مستوى الصدر وكسروا نظارته، أعتقد أنه سقط فيما بعد لأنه لم يكن يرى“.. عبارات أطلقتها الحاجة ببراءة وكأنها تريد أن تواسي نفسها فيه، قبل أن يلتحق بها أفراد من البعثة كانوا قد رافقوها على غير العادة إلى غاية مدخل المطار وبقيت شابة معها تحاول أن تؤكد لها أن زوجها بخير، “فرحت كثيرا عندما ساعدني شرطي سعودي وأدخلني حيث رميت سبع جمرات كان يضحك عندما كنت أصر على ضرورة تأدية الشعيرة وعندما أنهيت المناسك منحني مبلغا ماليا وأخبرني بأننا نحن الجزائريين في كل مرة نؤدي موسما صعبا“.
ولم يكن حاج آخر، لم نتمكن من الحصول على اسمه بسبب سرعته في الخروج ورغبته في مغادرة المطار، على وفاق مع من قال بسوء التنظيم “أنا حججت لأول مرة.. الحج نعمة إلا من أراد أن يهلك نفسه“، فيما اعتبر الحاج “د. محمد” من البويرة هو ابن 52 أدى المناسك 9 مرات وكانت هذه المرة العاشرة، في مقارنة بسيطة، اعتبر موسم 2015 هو أسوأ موسم على الإطلاق لا من حيث التنظيم ولا حتى من حيث وسائل النقل أو حتى من حيث الأسعار، أو المعاملة السيئة التي حظوا بها “هذه المرة كل شيء كان منقوصا النقل، ارتفاع الأسعار، وسوء التنظيم، كنت في الأبراج بعد سقوط الرافعة أعتقد أن الأمر يتعلق بسوء التنظيم“.
وإن كان الحجاج قد تحدثوا عن الفاجعة التي ألمت بضيوف الرحمان، فإن الحاجة “غ. غنية” من مفتاح ولاية البليدة البالغة من العمر 57 سنة، فقد نصحت الراغبين في أداء المناسك في سن مبكرة قبل الكبر والمرض، لأن موسم الحج كان صعبا بالنسبة إليها كونها تعاني مرض السكري، “لحسن حظي أنني بت في المزدلفة ولم أحضر الكارثة“، نفس الشيئ صرح به الحاج “ط. فريد” ابن الكاليتوس، البالغ من العمر 55 سنة، الذي لم يشأ الإفصاح عن عدد المرات التي زار فيها البقاع المقدسة قبل أن يخرج ابنه من بين الأمتعة هي المرة الـ 13، فيعلق ضاحكا “اتركها بيني وبين الله“، الحاج فريد قال إنه بات في المزدلفة وهناك حتى من لم يسمع بالحادثة والذي أشيع هو أن الإيرانيين تعمدوا فعل ما حدث وحدث الاصطدام مع ارتفاع درجة الحرارة والهلع ووصول الأجل توفي من توفي“.
حاجة واحدة رفقة ابنها كانت وسط الزحام، وشاء الله أن تعود سالمة غانمة بعد أن حملها ابنها وأعطاها للشرطة السعودية التي تكفلت بإخراجها قبل أن يفر بجلده وسط الجثث، هي الحاجة “ج. م” البالغة من العمر 67 سنة، المنحدرة من ولاية البويرة، وابنها “ت. عمر” ابن الـ 44 سنة، “حج هذا العام كان خطيرا جدا، الكثير من الزحام، كنت في الوسط عندما قاموا بغلق الباب، وكان المكان يعج بالحجاج، وعندما تم فتحه شعرت وكأن موجة رمتني، في الحقيقة لم يكن هناك تنظيم لا من ناحية بعثتنا ولا حتى من ناحية البلد المستقبل“، وزاد على ما قال ابنها الذي روى كيف تمكن من إخراجها من الزحام بعد أن اندفع السيل البشري نحو البوابة، “الذي حدث هو أن الذين قاموا برمي الجمرات عادوا من الباب الذي يدخل منها المقبلون على الرمي، الخطأ ارتكبه أحد الجنود الذي أغلق الباب، عندما لاحظت ما حدث قمت بالهروب بوالدتي ثم سألت أحد الأعوان عن مكان الخروج فقال إنه على اليسار فخرجنا. أما من خرجوا على اليمين فكانوا أغلب الضحايا“، ويضيف: “العديد من الجزائريين مفقودون أحدهم بات معي في الغرفة بالفندق في منى ولم يعد في اليوم الموالي وعندما سألت أخبروني بأنهم سوف يبحثون عنه، لم يبق في الغرفة سوى أمتعته.. وحاجة أخرى من البويرة فقدت ابنها ولم يتبين إن كان حيا أو ميتا إلى غاية اليوم“.. هي شهادات لحجاج عادوا ولم يصدقوا أنهم أحياء، غير أنهم لم يخفوا سعادتهم بأنهم تمكنوا من أداء المناسك..
المدير العام للديوان الوطني للحج والعمرة لـ“الشروق“:
“السعودية عرضت علينا 1200 صورة لتحديد هوية الضحايا الجزائريين
قال المدير العام للديوان الوطني للحج والعمرة، يوسف عزوزة، أن السلطات السعودية، عرضت على مسؤولي البعثة 1200 صورة لحجاج سقطوا في التدافع لتحديد هوية الضحايا الجزائريين. وأوضح عزوزة في اتصال مع “الشروق” أن البعثة اتصلت بكل الوكالات والفنادق لأجل تحديد القائمة النهائية للمفقودين، كما تم إرسال ممثلين عن البعثة لكل المستشفيات التي نقلت إليها جثث الضحايا لأجل التعرف عليها.