الرأي

حدود القوة المفرطة وحتمية التفاوض مع إيران

محمد سليم قلالة
  • 102
  • 0

بعد الموجة التي عرفها العالم في السنوات الأخيرة نحو السعي للتسلح المفرط، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، أثبتت الحرب الأخيرة ضد إيران محدودية هذا الخيار، كما أثبتت أن التسلح النوعي والحلول التفاوضية في العلاقات الدولية تبقى البديل الأمثل لأيِّ دولة مهما بلغت درجة قوتها.

الدليل على هذا أن أكبر قوة عسكرية في العالم بميزانية دفاع تزيد عن919  مليار دولار (37 % من ميزانية العالم أجمع، أي أزيد من الثلث)، لم تستطع هزيمة قوة دولة نامية مثل إيران، ميزانية دفاعها لا تزيد7.9  مليار دولار (0.8 % من الميزانية الأمريكية)! فقط، لأن تركيزها كان على نوعية وذكاء القوة أكثر من العتاد والعدة المُكلِّفة. والدليل الآخر أن العملية الغادرة المشتركة مع الكيان الصهيوني     (حدثت أثناء المفاوضات) بهدف شلّ القدرات العسكرية لهذه الدولة وتحييد مراكز القيادة والسيطرة لديها في زمن قصير، ثم الإطاحة بنظامها السياسي، لم تتمكن من تحقيق أيٍّ من أهدافها رغم أنها كانت عملية ضخمة من حيث عدد الطائرات المهاجِمة ونوعيتها، وآخر التقنيات التي ترافقها، واستمرار غاراتها مدة40  يوما على آلاف الأهداف بأشد القنابل فتكا وباستخدام أرقى أنواع التكنولوجيا المتطورة في كافة المجالات… وإذا أضفنا إلى هذا الدليل نتيجة حرب الإبادة على غزة التي لم تحقق هي الأخرى أهدافها الأساسية (استسلام المقاومة)، باستثناء التدمير الكامل لكل ما يظهر على السطح وارتكاب مجازر ضد المدنيين العزل بما يرقى إلى جرائم الحرب، تأكدت لنا حدود القوة المفرطة.

هذا الواقع الجديد الذي نَتَج عن مثل هذه الحروب غير التماثلية بَيَّنَ حدود التفوُّق التقني والكمي في المجال العسكري عندما يتعلق الأمر بمواجهة إرادة سياسية صلبة وأصحاب حق يرفضون التنازل عن حقهم.

لقد عرف العالم قبل اليوم نماذج صمود من هذا النوع في حروب وثورات سابقة، كثورات التحرير الوطنية ومواجهة أشكال الغزو الأجنبي، ولكنه اليوم بات يراها أقلَّ كلفة وأقدر على أن تُغيِّر القواعد التي تحكم النصر أو الهزيمة. والسرُّ في ذلك أن التكنولوجيا المتقدمة التي باتت مشتركة بين المدني والعسكري أصبح بالإمكان انتزاعُها بطرق أفضل واللِّحاقُ بتطوراتها بطرق أسرع بالنظر لكونها لم تعد حكرا على الغرب الرأسمالي كما كان في العقود السابقة، بل تنوعت مصادرها، خاصة مع انتقال الصين إلى مصاف الدول المنتِجة لهذه التكنولوجيا المتقدِّمة والمُتحكِّمة في دورتها التّصنيعية تحكُّمًا تامًّا… بل إن الصين اليوم لم تعد في حاجة إلى أي من الدول الغربية لتطوير هذه التكنولوجيا لديها، إن لم تكن هي مَن تتفوَّق في مجال التحكم في المعادن النادرة الضرورية لصناعة أشباه الموصلات والرقائـق النانوية أساس المنافسة.

هذا الواقع الجديد في العالم مكّن دولة نامية مثل إيران من الوقوف نِدًّا لأقوى الدول عسكريا اليوم. ومنه أصبح واضحا أن جميع الدول –بما في ذلك دول الجنوب– ستراجع عقيدتها العسكرية في العمق، بعد أن أدركت سرَّ الصمود الإيراني ونقطة ضعف أكبر الترسانات العسكرية قوة. كما ستراجع هذه الدول من الآن فصاعدا ميزانيتها العسكرية ولن تستثمر في العتاد الضخم ولا في الآليات الجاهزة الأكثر تطورا، بل ستستثمر أكثر في منظومات التحكُّم في الصواريخ والطائرات المسيَّرة وأنظمة الرادارات وأساليب التشويش والخداع والاستفادة من الأقمار الاصطناعية للرصد والتوجيه… الخ.

ولعل هذا الواقع الذي أصبح ملموسا على الأرض هو ما سيجعل الدول المُعتَدَّة بقوتها كالولايات المتحدة تراجع حساباتها في التعامل مع الآخرين، كما سيدفع جميع القوى الكبرى التي كانت تُهيمن من خلال القوة العسكرية إلى مراجعة حساباتها أيضا. وسيضطر الجميع في آخر المطاف إلى القبول بمفهوم الردع غير التماثلي حتى من دون امتلاك سلاح نووي، مما سيجعل الأساليب التفاوضية والحلول العقلانية أنجع من الحرب لتحقيق الأهداف. ولولا مرض جنون العظمة عند البعض كما عند اليمين الأمريكي المتطرف، والتعطش لسفك الدماء نتيجة الانحرافات الأيديولوجية والعنصرية المقيتة كما عند نتنياهو والصهيونية العالمية المتحالفة معه، لولا هذا التوجه غير السّوى الذي أُتيحت له فرصة امتلاك القوة العسكرية المفرطة لبات العالم أكثر أمانا، ولَتأكَّد أن الصينيين حقيقة، وإن امتلكوا أرقى أنواع القدرات العسكرية والاقتصادية، مازالوا يضعون الحكمة فوق كل اعتبار، وتلك الطريق الأسلم لهم وللإنسانية جمعاء.

مقالات ذات صلة