حرب أمريكية إيرانية وقودها العراق وسورية
بدأت تتكشف بالتلميح التدريجي أبعاد ما يجري في العراق وسورية، والطعم الذي ابتلعه النظامان ومعارضوهما.. كدليل قوي على رداءة النخب العربية السياسية والثقافية والاقتصادية على حد سواء.
فقد صار واضحا اليوم خاصة بتأسيس جيش العشائر العراقي بعد الجيش السوري الحر وبعد دخول جيش حزب الله إلى سورية، أن إيران التي لم يشأ البنتاغون مهاجمتها بعد تورطه المذل في كل من أفغانستان والعراق..صار واضحا أن الغرب جر إيران إلى حرب خارج حدودها وبالضبط إلى منطقة القوس الشيعي الذي كانت تعول عليه، أي العراق وسورية ولبنان. ولأن هذه النظم الثلاثة من النظم العربية التي يصعب الدفاع عنها، فكل منها ولغ بدم مواطنيه من جهة وبدم الأمة العربية، حتى ثمل وفقد توازنه، وتحت قاعدة الدم ينادي الدم صار من الصعب الدفاع عنه.
كان الجميع ينتظر سقوط نظام الأسد وكانت امريكا تقول إنها ستتدخل حين يتجاوز الخط الاحمر، وهاهو كيري يقول إن التجاوز تم ويستعجل التدخل، وبدا واضحا أن نظام الأسد لن يسقط، فوجوده هو الذي يزيد من التدخل الإيراني، وهذا هو المطلوب فالغرب يريد ضرب إيران على الأراضي السورية والعراقية.. ولا معنى لتأسيس جيش عشائر العراق إلا المزيد من التورط الإيراني في هذا البلد الذي فرح نظام الملالي باحتلاله تحت العلم الأمريكي. وهاهو نور الدين المالكي الذي وقع بخط يده حكم الإعدام على صدام حسين ويقال إنه حضر مع بوش وبلير واحمدي نجاد حفل إعدامه صبيحة عيد الأضحى، هاهو المالكي يضع رقبة العراق كله في المشنقة، فالحرب الإمريكية الإيرانية، كالحرب الإيرانية العراقية سيكون الشعب العراقي وقودها جنبا إلى جنب مع الشعب السوري .. فقد كان تأسيس ما يسمى الجيش السوري الحر ، علامة كبرى بأن الشعب السوري لا علاقة له بما يجري على أرضه فلا نظام العائلة نظامه ولا المعارضة معارضته، فكلاهما يقف في الخندق المضاد لهذا الشعب، وهو خندق يتحالف مع إيران ولكنه يخدم المصالح الإمريكية الكبرى في المنطقة، وهذا ما يعنيه تأسيس جيش عشائر العراق الذي ستكون صورته أكثر وضوحا، فهو جيش السنة حتما وسيواجه جيش الشيعة الذي هو الآن يتكون من ميليشيات يتزعمها المالكي والصدر وغيرهما، والجيش العراقي الرسمي الذي في الواجهة اليوم هو جيش للطائفة الشيعية أيضا .. وكل هذه العساكر يدربها ويشرف عليها مع جيش حزب الله في لبنان، الحرس الثوري الإيراني الذي ربما يسره الآن أنه يحارب آلاف الكيلومترات بعيدا عن طهران … ولكن ما أن يغوص في رمال بادية الشام حتى تنفجر الأوضاع فيها وهي تحت التسخين
الآن فيجد نفسه ككل الجيوش التي حاربت خارج بلادها من هاني بعل إلى نابوليون .. ولن يكون الحرس الثوري في اللحظات الآتية معنيا بالدفاع لا عن الأسد ولا عن المالكي فمن الواضح أن هذين الدكتاتورين يحاربان معركة ليست معركتهما ..ولا يستطيعان الانسحاب منها، واعتقد أن مصيرهما مع مصير حكام إيران لن يكون بعيدا عن مصير صدام الذي يترحم العراقيون اليوم على أيامه.
وهذا المشهد سيكون أشد مأساوية مما قلنا لأن أمريكا تستعد لأن تستغني في السنوات المقبلة عن النفط، وستفعل ذلك بالتدريج بدءا من النفط العربي ..فقد قالها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر للملك السعودي فيصل في سبعينيات القرن الماضي: ستشربون نفطكم … وحين يأتي ذلك ستكون كل الدول العربية مدمرة وتحت الصفر ..فمنذ الآن لا يمكن احتساب الأموال التي يتطلبها إعادة إعمار العراق وسورية ومصر واليمن وليبيا، ولا السنوات التي يستغرقها هذا الإعمار.
بالنسبة لنا كمواطنين عرب لسنا آسفين على ذهاب نظام الملكي ولا نظام الأسد ولا نظام لبنان الطائفي ولا نظام الملالي في إيران، كما لم نأسف على نظام مبارك في مصر او زين العابدين في تونس، فهذه ملة الكفر يحارب بعضها بعضا لسنا منهم وليسوا منا .. لكننا في غاية الأسف بل في غاية القهر أن نرى بلداننا وأوطاننا وشعوبنا تذبح بسكين الأعداء التي بيد من يدعون أنهم حكامنا وأنهم عرب مثلنا ويشهد الله على أن شعبنا لا يعرفهم ولم ينتخبهم بل جاءت بهم دبابة هذا العدو الذي انقلب عليهم بعد أن مكنهم من رقابنا ..فالمقصود دائما عند هذا العدو نحن العرب الشعب والأمة والأرض
والسؤال الآن هو: هل سيكون الأسد والمالكي فرحين إذا مادخل الدب كرمهم سواء كان دبا امريكيا أو إيرانيا، وهل ستكون هذه المعارضات مسرورة إذا ما حاربت إيران نيابة عن أمريكا .
ويبدو أن الذي سيحارب مع المعارضة بدلا من إسرائيل هو النظام الأردني الذي بدأ على ما يبدو بسن سكينه ليدخل في هذه الحرب.
قد تسألون : وما هو المخرج من كل هذه الورطة؟ ولا أعتقد أن هناك أي مخرج لحكامنا .. حتى ولو قدموا كل التنازلات لكل الأطراف … فلا الغرب يرحمهم ولا ايران ترحمهم ولا إسرائيل ترحمهم وحتى نحن الشعوب العربية لا نرحمهم رغم أننا لم نتحالف مع أعدائنا ضدهم وفعلوها هم ضدنا … وفي الحقيقة فإن شعوبنا غير معنية بخروجهم من أزمة هم صنعوها حين رضوا مقابل كرسي السلطة أن يكونوا جلاوزة علينا بيد عدونا .. ونسوا أن الجالس على كرسي السلطة كالجالس على الجمر لا يدري متى تحرقه.. وهاهم يحترقون ولا مخرج لهم فقد جاء يومهم الذي كانوا به يمترون … لكن المخرج المطلوب هو مطلوب لأمة العرب… وهو لن يكون سوى على قاعدة الأمة العربية ويصنعه المفكرون وليس أهل السياسة .. يجتمعون ويصدرون وثيقة يعلنون فيها براءتهم من النظام العربي كله .. مفكرون من امثال الطيب تيزيني في سورية ومحمد حسنين هيكل في مصر وأمثالهم من البلدان العربية … ولكن في أي بلد عربي يجتمعون … لن يجدوا بلدا عربيا يستضيفهم ولو لبضع ساعات …
هل يذهبون إلى أوربا كما فعل المعارضون العرب منذ القرن التاسع عشر، وكما يفعل المعارضون السوريون وغيرالسوريين اليوم ..فكانت النتيجة وبالا عليهم وعلى الأمة . لأن بعض النخب العربية يصدقون مقولة الانتهازي الأوروبي: عدو عدوي صديقي، وينسون حكمة شاعرهم الأكبر ابو الطيب المتنبي :
ومن نكد الدنيا على المرء
أن يجد عدوا، ما من صداقته بد