طلقة بارود
حزب خلّونا انعيش!!
عندما عرض عليّ بعض الطيّبين الانضمام إليهم لتأسيس حزب سياسي جديد (قبل أن يقتل وزير الداخلية هذه الأمنية بتصريحه الذي قال فيه إن الظرف الراهن غير مساعد على تأسيس أحزاب جديدة)، طرحت على أحدهم سؤالا مقلقا: هل سيكون من السّهل في الجزائر، بروز حزب سياسي جديد، يمكن أن يغيّر رأي أغلبية الجزائريين في الأحزاب، وأدائها السياسي والإيديولوجي، واعتبارها في نظر الكثيرين أذرعا أخطبوطية للنظام، ممتدة بشكل من الأشكال في منظوماته ومؤسساته وهيئاته؟
-
أو بمعنى آخر: هل يمكن أن يظهر هذا الحزب، ليمثل معارضة قوية للنظام في ظل إصرار النظام على احتواء أي معارضة من هذا النوع، أو فضّ سوقها بما أصبح يعرف بالحركات التصحيحية، أو إقصائها بالانتخابات المزوّرة وقوانين التحجيم والتهميش والإقصاء؟
-
من هنا المشكلة
-
أنا شخصيا، لم أعد أعتقد أن المشكلة مستقبلا ستكون في النظام، إذا تعلم الدرس في مناخات ما وقع في أكثر من قطر عربي قريب وبعيد، لكن المشكلة في تقديري، ستكون في ظاهرة إعراض أغلبية الجزائريين عن الانخراط في العمل الحزبي عموما، وعدم الاقتناع بجدواه.
-
وأعني بالأغلبية هنا، ما درج على تسميته بالأغلبية الصامتة، أي الخارجة عن خريطة العمل الحزبي والسياسي، أو غير المعنية في أحسن الأحوال بخياراته السياسية والإيديولوجية المطروحة.
-
والسؤال المطروح هنا: كيف يمكن الوصول إلى هذه الشريحة الواسعة من المجتمع، والتفاعل معها في إطار توجهات حزبية وسياسية، يمكن أن تلغي نفورها الواضح من المحيط السياسي عموما، والمحيط الحزبي بالخصوص؟
-
محاولة للفهم
-
أعتقد أنه قبل الإجابة عن هذا السؤال، من المفيد أن نحاول فهم الخلفيات التي صنعت هذه الظاهرة، وكرست مبرراتها الموضوعية، التي يمكن اختصارها فيما يلي:
-
1- فشل مكونات الطيف الحزبي منذ التسعينيات في النهوض بأعباء التغيير الحقيقي، وغياب نموذج ناجح في هذا السياق من حيث الخطاب والبرنامج والقدرة على الفعل التغييري المؤثر.
-
2- تحول معظم هذه المكونات في نهاية المطاف إلى شريك في الفساد السياسي، والظلم الاجتماعي، والتخبط الاقتصادي، بما في ذلك الأحزاب التي وضعت قدما في السلطة وأخرى في المعارضة (حركة مجتمع السلم نموذجا).
-
3- التأكد من إصرار النظام، كما قلنا من قبل، على منع بروز أي معارضة حقيقية قوية، لاعتقاده، أن معارضة قوية تعني نظاما ضعيفا (…!!)
-
4- ظهور أجيال جديدة، لا علاقة لها إطلاقا بالموروث الحزبي التقليدي ورموزه القديمة، ولا حتى بمكونات المجتمع السياسي الراهن ونخبه الحالية، وليس ذلك لاختلاف المطالب بين الأجيال الجديدة وغيرها من الأجيال السابقة فقط، إنما لاختلاف الوسائل أيضا بعد أن فتحت ثورة الاتصال أعين الأجيال الجديدة على منطق جديد في التغيير عكسته مناخات التحول الجاري الآن في أكثر من قطر عربي.
-
-
خلّونا انعيش
-
إذا أضفنا إلى هذه المبررات المنطقية، ظاهرة تعب معظم الجزائريين من العنف والفوضى والدم، وتخوف أكثرهم من انحراف الحركات الاحتجاجية نحو المواجهة والصدام على نحو ما حدث في التسعينيات، أو ما يحدث الآن في ليبيا، فإننا سنجد أنفسنا أمام انطباع قوي، يقول إن أكبر حزب في الجزائر، سيكون حزب “خلّونا انعيش”!
-
ولكن ليس بمعنى العيش على طريقة الحيوان الذي يأكل ويشرب وكفى، إنما المقصود هو العيش بسلام وأمان واستقرار.
-
وأجد من الطبيعي جدا في ظل هذا المنطق، أن تكفر أغلبية الجزائريين بـ”تخلاط” الأحزاب، و”عناوين” الاحتجاج، و”عناد” النظام، وتنتظر 2012 لتعاقب كل هؤلاء جميعا بعدم الذهاب إلى صناديق الاقتراع إن هم لم يغيروا سلوكهم الحزبي والسياسي، ويفهموا أن الشعب يريد أن يعيش في هدوء واستقرار بعد عشرين سنة من الصخب والفوضى!!