حضرت 1500 جنازة ورقم هاتفي عند حفاري القبور
هي ليست مهنته ولكنها أشبه بالهواية، وأغرب هواية في العالم لأنها لا تتعلق بكرة القدم أو السباحة أو حتى قيادة المركبات أو الصيد، فعندما تراه لا تشك للحظة أن هذا الشاب الطيب عفوي التصرفات بالنسبة إلى البعض نذير شؤم، لأنه لا توجد في مكان إلا إذا كان هناك حدث غير سار وبالضبط الموت.
إنه حسن بونور، صاحب 26 سنة، أعزب، ابن مدينة القل بولاية سكيكدة، لم نطرح على حسن إلا سؤالا واحدا: لماذا تحب الخروج وراء الجنائز؟ ففتح الشاب قلبه وبدأ في الحديث باسترسال، لأنه منذ 15 سنة لم يتخلف عن جنازة واحدة يقول حسن: كان عمري 12 سنة حينما خرجت وراء أول جنازة وكانت المرحومة، شابة في العشرين من العمر وصلت إلى المقبرة، وحضرت مراسيم الدفن وأنا طفل، كان من المفروض أن أشعر بالخوف ورهبة الموقف لكن الغريب أنني شعرت براحة نفسية كبيرة داخل المقبرة مازالت تلازمني إلى حد الآن، من لحظتها قررت ألا تفوتني جنازة، إلى درجة أني كنت أتغيب طوال الوقت عن الدروس، ومن بين الطرائف التي وقعت معي أني كنت في أحد الأيام متوجها إلى مدرستي الابتدائية بن يوسف، لأسمع قبل وصولي بحالة وفاة، تركت محفظتي أمانة عند صاحب محل لبيع المواد الغذائية لأشارك في الجنازة غير أن أبي علم بالأمر فكان عقابي شديدا، لكنه لم يردعني.
هاجس جعله يترك مقاعد الدراسة في السنة الخامسة ابتدائي، طقوس غريبة لحسن فقد ترك رقم هاتفه الذي لا يغلقه أبدا عند كل حفاري القبور ومغسلي الأموات ليخبروه عن حالات الوفاة، ليتوجه إلى منزل الفقيد لتقديم التعازي ثم يشارك في تغسيله إذا كان المتوفى رجلا، طبعا، ثم يذهب إلى المقبرة ويساعد حفاري القبور في مهمتهم، ونظرا إلى اكتظاظ المقابر في مدينة القل حسبه نجد صعوبة في إيجاد مكان لدفن الميت، حسن يتولى تنظيم الجنازة، وهي متوجهة إلى المسجد ثم إلى المقبرة وكأنه شرطي مرور، يكفي أن تشاهد حسن واقف وسط الشارع ليعلم الجميع أنها جنازة. محدثنا يقول إنه شارك أكثر من 1500 جنازة وأحيانا يصل المعدل إلى 5 جنازات يوميا وشهرته وصلت خارج حدود مدينته، فقد شارك في جنازات عديدة بأكثر من 8 بلديات منها تمالوس والزيتونة ووادي الزهور وبوالنغرة وكركرة وبقرية سيوان، وحضر دفن الضحايا الخمسة لحادث مرور سيوان المروع. يعود إلى البيت أحيانا في منتصف الليل، يضع رأسه على المخدة وينام بسلام وهدوء من دون كوابيس، مع أنه يوميا رفيق للجثث ومنها المشوهة نتيجة تعرضها لحوادث مختلفة، من حروق وقتل وغيرها، رأى شبابا وشابات وشيوخا وأغنياء وفقراء ومجانين وعباقرة يدخلون القبر ولا فرق ظاهريا بين ساكنيه، الكل في الكفن واحد وفي الأعمال حتما مختلفون. الموت حسب حسن أكبر موعظة إذ لم يكف ونحن ندردش عما يكره الناس الخوض فيه، تكرار سورة التكاثر.
وفاة والده قبل 5 سنوات كان صدمة لم يستطع تحملها، رغم أنه الشخص الذي حطم الرقم القياسي العالمي في حضور عدد الجنازات المشارك فيها.