الرأي

“حقوق الإنسان” لا تقبل التجزئة في الإعدام!

بإعلان رئيس الجمهورية التوجه نحو تعديل القانون الجنائيّ لإقرار عقوبة الإعدام مع التنفيذ في حقّ مجرمي حرائق الغابات، عاد النقاش الحقوقي والسياسي مجددا حول القضية، وهو بلا شكّ أمرٌ صحيّ وطبيعيّ، بل ضروريّ أيضا، بفعل حساسيّة القرار وخطورة النتائج المترتبة عنه، بغض النظر عن الالتزامات الدوليّة القابلة للتكييف المحلّي وفق الخصوصيات الوطنية.

وبهذا الصدد، نأمل أولاً، وفي كل القضايا المجتمعية الكبرى، أن يظلّ الفضاء العام، خاصة الإعلامي منه، مفتوحًا لكل الآراء العقلانيّة والهادئة، بما يصبّ في تكريس ثقافة الحوار الوطني والإقناع الاجتماعي وترشيد القوانين والقرارات العمومية، بعيدا عن منطق الحَجر الفكري أو الخوف من النقد والرأي المضادّ، وفي نهاية المطاف سنحتكم لموقف الأغلبيّة، ولو عن طريق الاستفتاء الشعبي، مثلما تفرضه قواعد “الديمقراطية” في كل دول العالم.

ثانيا، بالنسبة إلينا، وهي وجهة نظر قابلة للأخذ والردّ لا نلزم بها أحدًا، فإنّ تطبيق عقوبة الإعدام لا ينبغي أن يقتصر على جريمة واحدة محددة، في سياق ردّ فعل على حوادث معينة، مثل حرائق الغابات حاليًّا، بل وجب بمناسبة التعديل القانوني المرتقب أن تتوسع نحو حالات القصاص كلها، باعتماد تنفيذ حكم الإعدام في حقّ كل قاتل نفس عمدًا، أو ضدّ كبار المجرمين في حق المجتمع، على غرار بارونات المخدرات والمهلوسات والمُعتدين جنسيًّا على القُصّر، وفق مبدأ التعزير في الفقه التشريعي الإسلامي أو الوقائي في القوانين المعاصرة.

وقبل بسْط اعتراضات تشكيلات حزبيّة على خيار الدولة بإقرار، مجدّدًا، عقوبة الإعدام مع التنفيذ، لا بد من الإشارة إلى أن تلك المواقف المحترمة من حيث المبدأ تعّبر عن كيانات للأقليّة السياسيّة في البلاد، وهي في جوهرها ذات بُعد أيديولوجي بالأساس، ما يستوجب على أصحابها التزام موقف الأغلبيّة لو قررت دعم القرار.

أما المسألة الثانية، فهو أن تنفيذ حكم الإعدام ليس توجّهًا طارئًا لا في الجزائر ولا خارجها، بل كان معمولاً به في بلادنا، ثم تقرّر تجميده منذ 1993 في سياق خاص ولاعتبارات معلومة لدى الجميع، بينما لا زال نافذا في كثير من أقطار المعمورة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، لأنّ التشريع الجنائي يخضع لظروف كل مجتمع وتقديرات “السلطة العامة” للدولة (خليفة المسلمين في السياسة الشرعيّة).

والآن نعود، بالتحليل والتعليق، إلى حجج المعترضين على تنفيذ حكم الإعدام، حيث تبرز ذريعة “التراجع الخطير في مجال حقوق الإنسان والالتزامات المرتبطة به”، وهنا نُسائل هؤلاء بكل حياد: هل تقبل تلك الحقوق التجزئة والتمييز بين الضحية والجانيّ؟

إن فلسفة القصاص، في التشريع الربّاني والوضعي على السواء، تقوم على مبادئ الردع والوقاية وقبل ذلك تأمين الحقّ لذوي الضحايا، حيث لا يمكن في هذه الحال للسلطة العامة التصرف فيه بالحرمان، وإقرار عقوبات أخرى بديلة للجناة، بحجة القوانين المعاصرة، لأنّ ذلك يشكل تعديًّا سافرًا على حقوق أشخاص آخرين في الإنصاف، وإلاّ فإننا سنكون أمام ممارسة مرفوضة لتجزئة “حقوق الإنسان”.

من الانتقادات الموجهة للتعديل الجنائي المنتظر، نسمع القول بأن “محاربة الجريمة تكون باقتلاع جذورها ومعاقبة مرتكبيها، وليس بقتل القاتل، حيث أنّ الدولة مطالبة بحماية الأرواح البشرية”، وهو كلام وجيهٌ نسبيًّا، لكنه ناقص في فحواه، لأنّ القصاص من القاتل هو في حد ذاته من الآليات الوقائيّة والردعيّة لحماية الإنسان بقطع أدوات الجريمة، زيادة على كونه حقّ مكفول لذوي الضحية المكلومين، وللمجتمع عموما ضدّ المجرمين الخطيرين على أمنه واستقراره العامّ، إلا إذا كنا نرافع لـ”حقوق الإنسان” وفق منطق الكيل بمكيالين!

ثم نتساءل في سياق الوضع الوطني القائم: ما هي أسباب إقدام البعض على حرق الغابات مثلاً؟ هل هو الفقر أو الحاجة أو المشاكل الاجتماعية؟ لا شيء من ذلك على الإطلاق في حالة الحرائق المهولة التي تفتك بالبشر والحيوان، بل هي مخططات إجراميّة ذات خلفيّات مسبقة وخطيرة على النظام العام، تستوجب عقوبة من جنس الأثر والعمل نفسه، وهو إزهاق الأرواح، ناهيك عن تكلفة الخسائر المادية في الممتلكات العامة والخاصة.

وهذا ما ينسجم تمامًا مع دعوى المعترضين أنفسهم، عندما يشددون على ضرورة أن تكون “العقوبة عادلة ومتناسبة مع الجريمة، وليست مبنية على الانتقام أو المبالغة في التشديد العقابي”، فهل هناك عدلٌ وتناسبٌ آخر مع القتل العمدي، بل الجماعي سوى تنفيذ حكم الإعدام في حق المجرم الحقيقي؟

تخيّلوا كمْ من روح فقدناها بسبب الإدمان على المخدرات والمهلوسات، بل شاع عندنا، خلال السنوات الأخيرة، بسببها، قتل الأصول، فما جزاء هؤلاء البارونات المتربّحين من عوائد الجرائم المنظمة على حساب حياة الآخرين سوى الإعدام؟

بقي تحفظ واحد نتفق معه إلى حد كبير مع هؤلاء المعترضين، وهو دعوتهم إلى “فعالية التحقيقات وإثبات المسؤوليات وضمان استقلال القضاء”، لأنّ حكم الإعدام لا يمكن، فعلاً، التراجع عنه إذا ثبت لاحقًا وقوع الخطأ في تقديره، وهذا ما ينبغي أن يشكل موضوع نقاش حقوقيّ واسع، لأجل ضبْط الملفّ، بتوفير كل الضمانات القانونية والتقنية ذات الصلة بتكريس الاستقلاليّة القضائية المطلقة والشفافيّة الكاملة والشروط الضروريّة لتأمين أدوات التقاضي العادل للجناة قبل النطق بالأحكام النهائيّة.

مقالات ذات صلة