حقيقة نقاش سياسي مريب!
إلى حد الآن، طَغت أولوية الأشخاص على أولوية البرامج في النقاش السياسي السائد، بدل الحديث عن كيفية تسيير شؤون الدولة في المستقبل وتأجيل الحديث عن مَن سيحكمها، يحدث العكس، وكأن حُكم الجزائر هو الغاية وليس هو الوسيلة، نحسّ من خلال هذا وكأن هناك تكالباً على السلطة وليس هناك تنافسٌ لأجل خدمة الدولة والشعب، حتى بات السؤال الرئيس هو: مَن سيحكم؟ وليس: كيف سيحكم؟ أو: كيف ينبغي عليه أن يحكم؟
إلى حد الآن رقم المصلحة الوطنية، ورقم مصلحة المواطن، ورقم خدمة الشعب.. تبدو جميعا وكأنها غير ذات أهمية بالنسبة للكثير من الحالمين بحكم هذا البلد أو بالبقاء في حكمه إلى الأبد، بالنسبة إليهم المسألة هي تصفية حسابات على مستوى القمة أو تسويتها، وبعدها لا حاجة للتفكير في ما العمل؟ سيحكم اللاّحق كما حَكَمَ السابق، لا يهم: هل تتعزز أركان الدولة أو يقوى اقتصادها أو يرتفع مستوى معيشة الناس أو يسود العدل أو تستقيم المنظومة التربوية؟ أو لا يحدث كل هذا.. تلك مسائل ثانوية، كيفما كان الحال سيتم التعامل معها، وسيقبل الشعب.
هكذا هي حقيقة النقاش السياسي اليوم، أو على الأقل هكذا تبدو، بدل أن يدور حول برامج ورؤى تحمل مشاريع مستقبلية للبلاد ولو على المدى البعيد، بدل أن يتوجّه إلى الشعب باعتباره دستوريا هو مصدر السلطات ويسعى لإقناعه بما يريد أن يُقدمه له في المستقبل، يتجه نحو مراكز القرار؛ هذا يغازل هذا، وذاك يغازل آخر، هذا يزرع الشوك لهذا، وذاك يُلغِّم الأرض تحت أرجل آخر، في تناقض تام مع ما يقتضيه البناء الديمقراطي الحقيقي القائم على مبدأ التنافس من أجل خدمة الوطن والشعب.
هذه الحقيقة، أصبح كل مواطن يُدركها، على خلاف ما يبدو للكثير، ويُدرك أن من يزعمون قيادته لا يدركون أنه يُدركها، ذلك أنهم مازالوا يتصرّفون معه بمنطق بائد، أن الأقوى سيكون هو الأجدى، وأن الشعب في الأخير سيسير خلف مَن ينتصر في صراع القمة مهما كانت برامجه أو سياساته كما حدث أكثر من مرة.
هي حقيقة مُرّة بلا شك ينبغي علينا تجاوزها اليوم قبل الغد، إذا أردنا أن نعيد الأمل للناس بأن هناك بحق من السياسيين من يتفانون في خدمة وطنهم وشعبهم بدل خدمة أنفسهم وحاشيتهم، مَن يُمكن أن يُعوّل عليهم في المستقبل حتى يكون لهذا البلد شأنٌ كبير بين البلدان، ولهذا الشعب مكانة معتبرة بين الناس.