-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حكايةُ ريح

لعلى بشطولة
  • 782
  • 0
حكايةُ ريح

في سنة 1827، قرّرت فرنسا أنّ نسمةً جزائرية قد أهانت كرامتها الإمبراطورية.

كلّ ما وقع أنّ داي الجزائر حرّك مروحة الذباب في وجه القنصل دوفال. حركة يد، وقليل من الهواء، وذبابة لم يثبت التاريخ إلى اليوم إن كانت حاضرةً أصلًا. لكنّ فرنسا، التي لم تكن يومها تُفوّت فرصةً لصناعة كارثة من حادثة، احتاجت إلى ثلاث سنوات فقط كي تحوّل المروحة إلى أسطول، والنسمة إلى مدافع، وسوء التهوية إلى احتلال دام مئة واثنتين وثلاثين سنة.

هكذا تبدأ الإمبراطوريات أحيانًا: بضربة مروحة، ثم تنتهي وهي تبحث عمّن يصلح لها المكيّف.

وقد دار الزمن دورته

في صيف 2026، أصبحت أوروبا تشبه حافلةً جزائرية قديمة في ظهيرة أوت: النوافذ مغلقة، الهواء مفقود، وكلّ راكب ينظر إلى الآخر كأنّه المسؤول شخصيًا عن الاحتباس الحراري.

الحرارة ترتفع، الإسفلت يلين، نشرات الطقس تتحول إلى نشرات حرب، والخبراء يظهرون على الشاشات بوجوه باردة لشرح سبب اختفاء البرودة.

أمّا شركات التوزيع الأوروبية، فقد تركت الفلسفة جانبًا وشرعت تبحث، بكلّ تواضع، عمّن يبيع لها شيئًا من الهواء.

فوجدت الجزائر.

من برج بوعريريج، ترسل شركة «كوندور» أجهزة تكييف إلى فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. أجهزة مصممة للعمل من خمس عشرة درجة تحت الصفر إلى ستين درجة فوقه.

ستون درجة!

أي إنّ الجهاز الجزائري لا يبرّد الغرفة فقط؛ بل يبدو مستعدًا لمواجهة الشهيلي، والقبلي، والصيف، وانقطاع الأعصاب، وربما اجتماعًا إداريًا طويلًا في شهر جويلية.

ظننّا هذه الأجهزة مهيأةً للصحراء، فإذا بها تصلح أيضًا لشقق باريس، حيث اكتشف الأوروبيون أخيرًا أنّ الحديث عن المناخ لا يخفض درجة الحرارة، وأنّ البيانات الختامية، مهما كانت شديدة اللهجة، لا تنفث هواءً باردًا.

وللتاريخ، كما تبيّن، حسّ فكاهي أشدّ برودة من وضعية «توربو».

فرنسا جاءت ذات يوم لتقول للجزائريين كيف يجب أن يعيشوا.

وها هي، بعد قرنين، تسألهم كيف يمكن أن تنام ليلًا من دون أن تلتصق الوسادة بالوجه.

كانت «الرسالة الحضارية» تحمل المدافع والبارود.

أمّا خاتمتها، فتحمل جهاز تحكم عن بعد، وكتيّب استعمال بثلاث لغات، وورقة ضمان مختومة.

وهكذا انتقلت العلاقة بين البلدين من «مهمة تمدين» إلى «خدمة ما بعد البيع».

وفي باريس، يدور نقاش راقٍ حول ما إذا كان استعمال المكيفات مستدامًا بيئيًا.

النقاش عميق جدًا.

يشارك فيه وزراء وخبراء ومختصون.

ويُعقد، بطبيعة الحال، داخل قاعة مضبوطة على اثنتين وعشرين درجة.

لأنّ الدفاع عن الكوكب يحتاج، قبل كل شيء، إلى جوّ مريح.

وفي سنة 2027، تمر مئتا سنة على حادثة المروحة.

ومن الصعب تخيّل هدية أرقّ من هذه للمناسبة.

قبل قرنين، غضبت فرنسا لأنّ الجزائر حرّكت في وجهها بعض الهواء.

واليوم، تطلب من الجزائر الهواء نفسه بالحاويات، وبشهادات مطابقة، وبعقد توريد، وبفاتورة لا تقبل التأخير.

لقد تغيّر اتجاه الريح.

وباتت تهبّ من الجنوب.

ولم تعد فرنسا هذه المرّة في حاجة إلى إرسال أسطول.

يكفي أن ترسل رقم الطلبية.

أمّا الذبابة التي بدأت منها الحكاية، فلو كانت ما تزال حيّة، لجلست أمام المكيّف وقالت في هدوء:

كان يمكن حلّ الأمر هكذا منذ البداية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!