-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" تدخل ورشات تحضيرها رفقة أعوان التجارة

حلويات مسرطنة وسط العناكب والعفن!

نادية سليماني
  • 10119
  • 0
حلويات مسرطنة وسط العناكب والعفن!

عدم إشهار الأسعار والمضاربة فيها، وتحضير مأكولات سريعة الفساد في أجواء لا تصلح حتى لتربية البهائم، وتغيير النشاط التجاري، ومخالفات تتكرر يوميا رغم التحذير..وفوق كل هذا مواطنون يدافعون عن التجار المخالفين، وهم أنفسهم من يشكونهم ويصفونهم “بمصّاصي الدّماء”..هي تناقضات يقف عليها يوميا، أعوان الرقابة التابعين لوزارة التجارة بالأسواق، وخاصة خلال شهر رمضان.
يشكو كثير من المواطنين ممّا يعتبرونه غياب الرقابة عن الأسواق، ما يجعل التجار “يسرحون ويمرحون”، أو كما يقال “عندما يغيب القط يلعب الفأر”..ولكن مرافقة “الشروق “لأعوان الرقابة التابعين لمديرية التجارة لولاية الجزائر، كشفت واقعا مغايرا تماما.
فمن خلال تذمر التجار وتأففهم، بمجرد دخول أعوان الرقابة للأسواق، وتعالي أصوات التجار مرددة: “واش كل يوم كونترول.. !!”، أو “غير البارح درتلي مخالفة”، تأكدنا من أن مراقبة الأسواق هي عملية يومية، لدرجة صارت وجوه كثير من أعوان الرقابة معروفة للتجار وحتى للمواطنين، وهو ما يستدعي استبدالهم دوريا.

سوق “ميسونيي”.. إشهار الأسعار غائب وتجّار يتحايلون


وللوقوف على تجاوزات ومخالفات التجار في رمضان، رافقت “الشروق” فرقة لأعوان التجارة المكلفين بالمراقبة، يتصدرهم ممثل مديرية التجارة، لولاية الجزائر، عياشي دهار، حيث أمضينا يوما رمضانيا صيفيا حافلا بـ “المخالفات والتجاوزات” التي ارتكبها أصحاب نشاطات تجارية مختلفة.
انطلاقتنا كانت من مقر مديرية التجارة بالأبيار، متوجهين نحو سوق فرحات بوسعد، المعروف بـ “ميسونيي” بوسط الجزائر العاصمة.. ولدخول سوق الخضر والفواكه، كان علينا المرور وسط سوق “ميسونيي” للملابس والأحذية، الذي يقصده المواطنون من مختلف ولايات الوطن، لتنوع معروضاته وانخفاض أسعاره.
الطريق الرئيسي للسوق كانت مكتظة عن آخرها لدرجة لا تجد السيارة منفذا للمرور.. وسبب الزحمة، هم أصحاب الطاولات العشوائية، الذين ينصبونها في منتصف الطريق، معرقلين حركة المرور، بينما تصطف السيارات على طول الرصيف.. فأين حق الراجلين من كل ذلك ؟؟

مواطنون “ينتصرون” للتجار المخالفين.. !!
والمؤسف، أنّ ممثل مديرية التجارة، أو كما يلقب “عمي العياشي”، وعندما كان يطلب من الباعة، إزاحة طاولاتهم للخلف، تسهيلا لمرور السيارات والراجلين، يواجه بعنف من بعض الباعة المتذمرين، مردّدين عبارة: “هذي خبزتنا”. والأغرب، أن رد الفعل الأكثر غضبا صدر من المواطنين، وخاصة النساء المتسوقات، فرغم حشرهن وسط الطريق، إذ بالكاد كن يجدن مساحة للمشي، ومع ذلك انتفضن ضد دهّار فقط لأنه حاول تنظيم السوق.!! وهؤلاء هم أنفسهم المواطنون المتذمرون من غلاء الأسعار ومن التجار ومن الفوضى.
ركنا السيارة بمشقة كبيرة، بسبب طاولات البيع العشوائية، متوجهين نحو سوق الخضر والفواكه واللحوم “فرحات بوسعد”. أول الملاحظات المسجلة من فرقة المراقبة، شبه غياب لإشهار الأسعار، إلاّ من قبل قلة، وهو ما جعل التجار يتحصّلون على مخالفات، أما آخرون فكانوا يسارعون لكتابة الأسعار قبل وصولنا إليهم، ومع ذلك تم كشفهم.
تاجر بطاولة بيع الفواكه “النادرة”، وجد طريقة غريبة في التحايل، فأمام كل فاكهة كان يضع لافتة تضم نوعية الفاكهة وسعرها. والطريف أن اسم الفاكهة كتبه بخط كبير وواضح جدا، وفي إحدى زوايا الورقة الضيقة، يكتب السعر “المرتفع”، الذي لا تستطيع رؤيته حتى بـ “المجهر”. وسبب السلوك، حسب تفسير العياشي دهار، هو جلب الزبائن، لأنه لو كتب السعر المرتفع واضحا، لما توقف أحد أمام طاولته. وتلقى المعني تحذيرا من ممثلي مديرية التجارة، جعله يعيد كتابة لافتات جديدة في اللحظة، أما بعض التجار، فكانوا قمة في التنظيم والنظافة، على غرار باعة التوابل.

باعة لحوم الدواجن أكثر المخالفين لقواعد النظافة


الأسعار كانت مرتفعة بالسوق، على غرار بقية الأسواق، وبالخصوص أسعار اللّحوم بأنواعها.. دخلنا محلا لبيع لحوم الدجاج، الذي كان يوحي مظهره بقلة النظافة، وفعلا وجدنا المجمد الذي يخزن فيه الدجاج في حالة كارثية جدا، من انعدام النظافة وتناثر الدماء وتكسر الأبواب، والطريف أنّ البائع رفض إزاحة إحدى الطاولات، رغم إصرار ممثلي التجارة، لأنه كان متخوفا من اكتشاف “الأوساخ الموجودة أسفلها”.
المعني تلقى مخالفة واستدعاء، مع وعد منه إعادة تهيئة محله بعد عيد الفطر، لكن فرقة المراقبة أصرت على تنظيف المكان في أقرب فرصة.

تخفيض للأسعار بين 30 دج إلى غاية 100 دج
وصلت أسعار الدّجاج بالسوق إلى 450 دج للكلغ، أين أكد الباعة اقتناءها من سوق الجملة بـ 390 دج، وهو ما جعل دهّار يدعوهم إلى تخفيضها قليلا، رغم أنها حرة، رأفة بالمستهلك في شهر رمضان. وبالفعل استجاب ثلاثة تجار للدعوة، وخفضوا أسعارهم في الحال.. عن طريق تغيير لافتات الأسعار من 450 دج إلى غاية 420 دج و430 دج، وسط ترحيب من المواطنين. وهو سلوك يحسب لممثلي مديرية التجارة، وحتى باعة اللحوم الحمراء، كانوا رحماء، وخفضوا أسعارهم بـ 100دج.
وكشف لنا بائع لحوم بالسوق، بأنّ عددا من المواطنين باتوا يشترون اللحوم مباشرة من المذابح، متجنبين الجزارين، وهو ما تسبب في قلة زبائنهم، وتعرض المستهلك للخداع، إذ يشتري خروفا مذبوحا بسعر أغلى.
وتمكن أعوان التجارة، وبخبرتهم من كشف بعض التلاعبات، فأحد بائعي اللحوم الحمراء، كان يبيع كبدا على أنه لعجل وهو في الأصل لبقرة، وذوقهما يختلف.

تجار مخالفون “يحتمون” بالمواطنين.. !!
غادرنا السّوق، بملاحظات عديدة، أهمها أنّ التجار يكرّرون نفس المخالفات المرتكبة، التي يحذرهم منهم ممثلو وزارة التجارة مرارا وتكرارا، وحجتهم “هذي هي الخدمة”. لدرجة أن بعضهم تلقى مخالفات قبل يومين فقط، ولكنه كرر نفس المخالفة، كما يعاني سوق فرحات بوسعد، من قلة النظافة وانتشار روائح كريهة بالمكان، وتسربات لمياه قذرة، ما يستدعي تدخل المصالح البلدية لتهيئته.
أمّا أهم ملاحظة، فهي “استماتة” بعض المواطنين دفاعا عن التجار المخالفين.. فبينما يصمت التاجر مستجيبا لتعليمات أعوان المراقبة، يطلق بعض المواطنين العنان لألسنتهم، لشتم الأعوان، وهم يجهلون أن هذه التصرفات تزيد من تعنت التجار وابتزازهم للمواطنين، وتعرض المستهلك لخطر استهلاك منتجات غير صالحة قد تعرض حياته للخطر.
ولم يبخل أعوان الرقابة، في تقديم نصائح وإرشادات للتجار، للنشاط في ظروف أحسن، كما طالبوا الجزارين بتجنب بيع لحم “الخروفة”، حفاظا على الثروة الحيوانية بالجزائر.

حلويات تحضر بين الأوساخ والعناكب والمياه المتسربة


وجهتنا التالية، كانت بعض المحلات بالشوارع الرئيسية التي غيرت نشاطها التجاري في رمضان.. دخلنا محلا كان “مقهى” ثم تحوّل لبيع مختلف الحلويات والمرطبات بأسعار تتراوح بين 70 دج و100 دج.. أوّل مخالفة له هي تغيير النشاط دون رخصة.
وتفاجأنا بتدخل أحد المواطنين تواجد بالمحل، الذي وصف أعوان التجارة بالـ”ظالمين” لأنهم يمنعون شخصا من مزاولة مهنة شريفة في رمضان، ردّ عليه دهار بكل صبر وأفحمه: “وهل تقبل أن يغير شخص نشاطه التجاري بطريقة غير قانونية، لينافس تاجرا شرعيا في مهنته، وهل تعلم أن التاجر غير الشرعي لا يلتزم بأدنى معايير التحضير السليم للمنتجات، ما يعرضك وغيرك لخطر التسمم، ولن تجد ساعتها قانونا يحميك، لأن التاجر غير قانوني”، وهو ما جعل المواطن يصمت.

غسيل منشور بالقرب من مكان صنع الحلويات.. !!
وحلويات هذا المحل كانت تحضر في ورشة خلفية، دخلناها ويا ليتنا ما فعلنا.. اكتشفنا ظروفا مقززة جدا لصنع حلويات سريعة التلف.. المكان يشبه قبوا أو زنزانة غارقة في الأوساخ، كما وضع صانع الحلوى كريمات سريعة التلف في أوان بلاستيكية دون أغطية.. وشاب يبدو في العشرينيات من عمره أو أقل، وجدناه يخلط العجين بثياب تحول لونها للأسود من الوسخ، وكان يطأطئ رأسه غير المغطى على العجين، ما قد يعرض لنزول أي شيء على العجين، مثل العرق، لأن المكان كان حارا جدا، لغياب منافذ تهوية. والعناكب منتشرة في زوايا السقف تتدلى خيوطها على الرؤوس وقد تسقط في أي إناء غير مغطى، مع تسرب للمياه من الأعلى.

يحضّرون الحلويات بملابس متسخة.. !!
وفي المكان ذاته كان أحد الأعوان يحضر الـ “قطايف” فوق طاولة رخامية غير نظيفة، وبيدين عاريتين.. والطاولة كانت تمسح بمنديل قماشي تغير لونه من شدة الوسخ، مع غياب للماء في الحنفية. ولأن صانعي الحلويات يبيتون في المحل، فقد نشروا ملابسهم على حبل داخل المكان غير بعيد عن مكان صنع الحلويات.. حقيقة كانت أوضاعا كارثية.
صاحب المحل كان غائبا، بينما حرّر ممثلو التجارة مخالفة له، حول عدم احترام شروط إلزامية النظافة والنظافة الصحية. ومن هول المنظر، وجّه دهار العياشي كلاما حادّا للعاملين، الذين اعترفوا بخطئهم، قائلا لهم: “يفترض أن يكون مكان صنع الحلويات، مثل المخابر الطبية من حيث النظافة، لأن منتجات سريعة التلف تحضر داخله”.
انتهت جولتنا بتوجيه استدعاء لصاحب السجل التجاري، لغرض اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، والمتمثلة في تحرير محضر معاينة ضد المعني، لارتكابه مخالفة، مع اقتراح غلق المحل إلى غاية تسوية وضعيته. ويواجه صاحب المحل غرامة مالية، تصل حتى 100 مليون سنتيم.
ويعتبر هذا المحل “استثناء” في جولتنا، لأن بقيّة محلات صنع الحلويات التي دخلناها، على طول شارع العقيد شعباني بوسط الجزائر العاصمة، كانت نظيفة ومتقيدة بمعايير السلامة، ما عدا بعضها كان يعاني من غياب منافذ تهوية لضيق المكان، وتلقوا تحذيرات في هذا الشأن.

زيت قلي “مسرطن” لكثرة استعماله
وشدّد أعوان التجارة في مراقبتهم، على سلوك استعمال زيت القلي لأكثر من مرة، في بعض محلات تحضير المعجنات والفطائر، محذرين التجار، لأن زيت القلي الذي يتحول لونه إلى الأحمر بعد أكثر من استعمال، يصبح “مسرطنا” لاحتوائه كمية كبيرة من عنصر البروكسيد الخطير.
بينما حرّر أعوان التجارة، مخالفات لبعض محلات بيع المواد الغذائية، لعدم احترام إلزامية سلامة المنتج، عن طريق عرض مياه معدنية وعصائر خارج المحل وتحت أشعة الشمس. وغالبيتهم كانوا يستنكرون كثرة دوريات ممثلي التجارة.

الحليب المدعم غائب وسط العاصمة
وتمتنع غالبية محلات شارع العقيد شعباني، عن بيع حليب الأكياس المدعم. ومبررهم، أن الموزعين يحضرون في ساعات الفجر الأولى، وهو توقيت لا يناسبهم، وأيضا لضيق شوارع “ميسونيي” ما يعيق عملية ركن شاحنات الحليب، حارمين بذلك سكان الحي من الحليب المدعم.

المحجوزات توجه لدور العجزة والهلال الأحمر
وفي ختام جولتنا، أكد دهار، بأن مديرية التجارة بالجزائر، ولكثرة تحرير مخالفات متعلقة بقلة النظافة بالمحلات، اقترحت على التجار، إرسال المكلفين بالنظافة بالمحلات إلى المديرية لتلقي تكوين في النظافة الصحية “ولكن العملية لم تنجح، لعزوف التجار عنها، ولتغير عقلية تاجر اليوم”.
وخلاصة الجولة التفتيشية، بالمقاطعة الإدارية لسيدي امحمد وسط الجزائر العاصمة، التي انتهت بتوجيه مخالفات لـ 5 محلات تجارية، هي وجود تجّار مخالفين للقوانين، وخاصة في مجال النظافة رغم نشاطهم القانوني، وآخرون وهم كثر، ملتزمون بقواعد سلامة المستهلك، يتنافسون بينهم لتقديم أحسن الخدمات.
أمّا عن عدد المخالفات المحررة يوميا، فكل فرقة تفتيش تابعة لمفتشية معينة تحرر بين 3 إلى 4 مخالفات يوميا، مع العلم أن المفتشية تضم قرابة 40 فرقة تفتيش.
وبلغة الأرقام، تمكنت مديرية التجارة لولاية الجزائر وانطلاقا من اليوم الأول لرمضان، الموافق لـ 2 أفريل إلى غاية 11 أفريل 2022، وإثر 5655 تدخل، من تحرير 1344 محضر، مع اقتراح غلق 48 محلا تجاريا.
وبلغت كمية المواد المحجوزة 11.220 طن، بقيمة مالية تصل إلى 7.874.471.00 دج، بينما بلغة القيمة المالية لمخالفة عدم الفوترة 11.406.529.00 دج.
وأكّد ممثل مديرية التجارة أن المحجوزات الغذائية من لحوم ومشروبات وغيرها، يتم توجيهها نحو مراكز العجزة والمسنين، وإلى الهلال الأحمر الجزائري.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!