الرأي

حماس: قرارٌ خاطئٌ وخطير

حسين لقرع
  • 160
  • 0

طالما ساندنا المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، بلا قيود، ودعمنا قراراتها المختلفة، بلا تحفُّظ، وأشدنا بعملياتها البطولية وبصمودها وتضحياتها الجسيمة، في مواجهة العدوّ الصهيوني، بلا حدود، لكنّنا اليوم نجد لزاما على أنفسنا أن نقول إنَّ حماس قد ارتكبت خطأ جسيما، سيكون له تبعاتٌ خطيرة على مستقبل المقاومة والقضية الفلسطينية برمَّتها، حينما قبلت “تخزين سلاحها الثقيل”. وهو المقترحُ الذي قدّمه لها الوسيطُ المصري قبل أشهر، لكنّها رفضته آنذاك بشدّة، قبل أن تعود وتقبله أخيرا، تحت وطأة ما تعيشه غزة من مجازر واغتيالات يومية وتدمير منهجي واستمرار الحصار وشحِّ إدخال المساعدات الإنسانية ورفض صهيوني قاطع لعملية إعادة الإعمار قبل نزع سلاح حماس.

صحيحٌ أنّ هذه العوامل وغيرَها ساهمت في قبول الحركة “تخزين سلاحها الثقيل”، لكنّ هذا التنازلَ الكبير فتح شهيّة الاحتلال للمطالبة بما هو أكثر، وهو نزع السلاح كاملا: الثقيل والخفيف وتدمير الأنفاق، على أن يُشرف على العملية “مجلسُ السلام” المتصهين برئاسة نيكولاي ميلادينوف و”قوّة الاستقرار الدولية” المتكوّنة من جنود مغربيين وجنود ثلاث دول إسلامية أخرى مطبِّعة مع الاحتلال. ومقابل تحقيق هذه المطالب، يلتزم الاحتلالُ بسحب جيشه إلى ما وراء “الخط الأصفر” فقط، وقد ورد ذلك بكلِّ وضوح في بيان “مجلس السلام” المتصهين، يوم الاثنين 3 أوت الجاري!

المطلوبُ، إذن، من حركة حماس وباقي فصائل المقاومة هو نزعُ سلاحها كاملا، حتى المسدّسات الخفيفة، وليس فقط الصواريخ وقذائف “الياسين 105” والعبوّات الناسفة… وكذا إرشاد “قوة الاستقرار الدولية”، العميلة للاحتلال، إلى مواقع الأنفاق جميعًا لتدميرها، وبعدها ينسحب الاحتلال إلى ما وراء الخط الأصفر فقط، وليس من غزّة كلّها، ومع ذلك، يمانع العدوُّ ويطالب بـ”حرية العمل” في غزة في أيِّ وقت ضدَّ ما يسمِّيه “الأهداف المتفجِّرة”، وتعني مواصلة عمليات الدهم والاغتيالات في أيِّ وقت!

في الضفة الغربية، تخلّت “فتح” عن مقاومة الاحتلال بالسِّلاح، بعد اغتيال الرئيس ياسر عرفات- رحمه الله- ووصول محمود عباس إلى السلطة، فأوقِفت الانتفاضة الثانية في الضفة في أواخر 2004 وجنح القومُ هناك إلى السِّلم، لكنّ الاحتلال لم يجنح له وضاعف عمليات الاستيطان وقضم أراضي الضفة، ثم أصبح يقوم باجتياحات يومية لمختلف مدنها وبلداتها لمطاردة أبنائها وقتلهم أو اعتقالهم، ثم أطلق قطعان مستوطنيه ليعيثوا فيها فسادا وخرابا ويحرقوا بيوت الفلسطينيين وسياراتهم وأملاكهم ومساجدهم ويجرفوا أراضيهم الزراعية ويقطعوا أشجارهم المثمرة وينهبوا مواشيهم، ويرهبوهم بشتى الطرق لإجبارهم على الرحيل بلا عودة… يحدث ذلك كلُّه برغم تخلي “فتح” عن السِّلاح منذ نحو 22 سنة، فكيف تتخلّى حماس عن سلاحها في غزة وهي تعلم أنَّ هذا العدوَّ سيستغلُّ ذلك لإعادة احتلالها وملئها بالمستوطنات وتنفيذ مخططه الجهنّمي بتهجير الفلسطينيين؟! ألم يطالب نتينياهو، بالأمس فقط، دولَ العالم بفتح أبوابها للفلسطينيين “الراغبين” في الهجرة، ووعدَ بأن يسهِّل لهم إجراءات السفر؟!

السلاحُ ليس سوى ذريعة للاحتلال لإنهاء المقاومة وابتلاع فلسطين كلّها وتصفية قضيتها وحسم الصراع لصالحه بالقوة، ثم الشروع بعدها في المرحلة الثانية من وجوده وهي التوسُّع على حساب 7 دول عربية لإقامة “إسرائيل الكبرى” التي تحدَّث عنها نتنياهو بوضوح كامل في أوت 2025 وقال إنها “مَهمَّة روحية” يتطلّع إلى إنجازها.

لذلك، نهيبُ بحماس وباقي فصائل المقاومة أن تتراجع عن هذه الخطوة الخاطئة والخطيرة، وأن تتمسّك بسلاحها وأنفاقها وبنهج المقاومة وتواصل ترميم قُدراتها وتجنيد المزيد من المقاتلين كما فعل “حزبُ الله” في لبنان خلال الهدنة الماضية، وهذا تحسُّبا لأيِّ غدر صهيوني واستئناف الحرب في أيِّ وقت، يكفي ما حدث في صبرا وشاتيلا في صيف 1982… أن تقاتل حماس بعزٍّ وشرف حتى الشهادة والسِّلاح بيدها، أهونُ من أن تنزعه وتسلّم رقبتها للذبح من الوريد إلى الوريد، والحركةُ أدرى منّا بهذا العدوّ المُستهتِر المخادِع الذي لا يوفي بعهدٍ ولا يحترم ميثاقا ولا يرقُب في مؤمنٍ إلًّا ولا ذمة.

مقالات ذات صلة