-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تجمع بين الموضة والعادة وتنعش الأسواق

حمى تجديد أواني رمضان تنطلق قبل الأوان بسطيف

سمير مخربش
  • 355
  • 0
حمى تجديد أواني رمضان تنطلق قبل الأوان بسطيف
ح.م

تتحرك الأسواق بولاية سطيف قبل أسابيع من حلول شهر رمضان على إيقاع مختلف، حيث لا يقتصر الاستعداد على التموين الغذائي فحسب، بل يمتد إلى تفاصيل دقيقة تتعلق بالمائدة نفسها، وأوانيها، وألوانها، وملمسها.
وفي حي دبي التجاري بمدينة العلمة، تتجسد هذه الظاهرة بوضوح لافت، مع انطلاق مبكر وغير معتاد لعادة تجديد الأواني المنزلية، وكأن الشهر الفضيل صار موسماً قائماً بذاته في أجندة التجارة والعادات الاجتماعية.
في جولة بحي دبي بالعلمة بولاية سطيف، يظهر الزخم البشري غير المعتاد، محلات مكتظة، نسوة يتنقلن بين الرفوف، عائلات تقارن الأسعار والأشكال، وتجار لا يخفون ارتياحهم لهذا الانتعاش الذي يسبق رمضان بأسابيع.
هنا، لا يُسأل الزبون عن حاجته بقدر ما يُقترح عليه “طقم رمضان” الجديد، فالمائدة الرمضانية، في العقل الجمعي، يجب أن تُستقبل بأوانٍ جديدة تمنح الشهر نكهته الخاصة.
في هذا الموسم، تغيّرت الموضة، فبعد أن سيطرت في السنوات الماضية الأطقم المزيّنة بالورود والألوان الصاخبة، أصبحت الأواني والملحقات الخشبية، ذات الطابع البسيط والدافئ، والتي توحي بالعودة إلى الطبيعة والهدوء “تندانس” هذه السنة منها صحون بأطر خشبية، ملاعق من مادة الخشب، صواني تقليدية بروح عصرية… كلها عناصر باتت حاضرة بقوة على رفوف المحلات، وتلقى إقبالاً واسعاً، خاصة من ربات البيوت الباحثات عن التجديد من دون التخلي عن الطابع الرمضاني.
ورغم أن هذه العادة لا يُعرف لها أصل تاريخي محدد، إلا أنها ترسخت في المجتمع الجزائري منذ سنوات، وأصبحت مرتبطة عضوياً بالتحضيرات الرمضانية، فاقتراب الشهر الفضيل يعني لدى الكثير من العائلات التخلص من الأواني القديمة واستبدالها بأخرى جديدة، مع تركيز خاص على كل ما له علاقة مباشرة بمائدة الإفطار: الصحون، الأكواب، الملاعق، قوارير العصائر، أواني السيراميك، وحتى طناجر الضغط.

رمضان ينقذ الموسم التجاري للأواني
ويُجمع تجار حي دبي بالعلمة على أن رمضان يُنقذ الموسم، كما يقول أحدهم، مؤكداً أن هذه الفترة هي الأهم على مدار السنة، فالعلمة المعروفة بعلاقتها التجارية الوثيقة مع السوق الصينية، تعرض تشكيلة واسعة من الأواني المستوردة، التي تطورت جودتها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ولم تعد تعاني من الصورة النمطية القديمة المرتبطة بالرداءة. بل أصبحت تنافس من حيث التصميم والمتانة، وتُغري المستهلك بتنوعها وأسعارها.
في المقابل، يبرز المنتج الجزائري، خاصة في مجال البلاستيك، كمنافس حقيقي وقوي. صحون، أكواب، أطباق، طاولات، كراسٍ، خزائن وأغراض منزلية متعددة، تحمل وسم “صُنع في الجزائر”، وتستقطب الطبقة المتوسطة بأسعارها المعقولة وتوفرها الواسع. أحد الصناعيين المحليين بالعلمة يؤكد أن المنتجات البلاستيكية الجزائرية اجتاحت السوق، مضيفاً أن المنافسة الشديدة بين المصنعين انعكست إيجاباً على الجودة والتنوع، وهو ما جعلها تلبي رغبات شريحة واسعة من المستهلكين.
وخلال التجول في حي دبي، يبرز بوضوح هذا التعايش بين المستورد والمحلي، حيث لم يعد المنتج الجزائري مجرد بديل، بل خياراً مفضلاً في الكثير من الأحيان، خاصة في ظل تشجيع الدولة للإنتاج الوطني، حسب ما يؤكده محولو البلاستيك، الذين يرون في شهر رمضان فرصة لتكثيف الإنتاج والاستجابة للطلب المتزايد، انسجاماً مع العادات الاستهلاكية للمجتمع.

تجديد الأواني بقرار نسوي لا رجعة فيه
المشهد في حي دبي لا يكتمل من دون التوقف عند الحضور النسوي الكثيف، فالمرأة، في هذه الفترة، تتحول إلى الفاعل الأساسي في السوق. هي من تختار، تقارن، وتقرر، باعتبارها الأدرى بشؤون البيت والمطبخ ومتطلبات رمضان. تقول إحدى الزبونات القادمة من ولاية مجاورة إن “تجديد الأواني قبل رمضان صار تقليداً لا يمكن التخلي عنه، حتى وإن اقتصر على بعض القطع، لأن الإحساس بالشهر يكون مختلفاً”.
تاجر آخر يربط هذا الإقبال بالبعد النفسي والاجتماعي للظاهرة، معتبراً أن الأواني الجديدة تمنح الأسرة شعوراً بالفرح والتجديد، وتُضفي على جلسات الإفطار طابعاً احتفالياً خاصاً. بينما يرى مختصون في علم الاجتماع أن هذه العادة تعكس تداخل الدين بالثقافة الاستهلاكية، حيث يتحول الشهر الروحي إلى موسم اقتصادي بامتياز، تقوده النساء بحس تنظيمي ورغبة في إضفاء طابع استثنائي على الحياة اليومية.
أسابيع قبل أن يُعلن هلال رمضان ظهوره، يكون حي دبي بالعلمة قد دخل فعلياً أجواء الشهر، بأوانٍ جديدة، وموضة متجددة، وحركة تجارية تعكس كيف تصنع العادات الاجتماعية مواسم اقتصادية كاملة، من دون قرار رسمي أو موعد ثابت، بل فقط بإجماع غير موثق لكنه يحرك مجتمعا بكامله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!