حمّالة الحطب!
إضراب التغبية أصبح مثيرا وخطيرا، فوزير القطاع بابا أحمد عبد اللطيف، وصف الأساتذة المضربين بالمتمرّدين، واتهمهم بدخول مرحلة “التمرد والعصيان”، وبالمقابل، فإن النقابات تتهم الوزير بـ”التعسّف المفضوح”، وهذه “حرب مفتوحة” لا تنذر بالخير أبدا على قطاع مريض!
هل يُعقل يا وزارة ويا نقابات أن يتواصل الإضراب بالمدارس لعدّة أسابيع، ويبدأ التعفين والتصعيد وحوار الطرشان مع بداية العدّ التنازلي لانقضاء الموسم الدراسي واقتراب موعد امتحانات نهاية السنة بما فيها البكالوريا؟ ولماذا يُمسك كلّ طرف بالموس ويرفض التنازل؟
إن أيّ تنازل و”هزيمة” حتى وإن كانت نكراء، ستكون دون شكّ لفائدة التلاميذ ومستقبلهم الدراسي الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من “معركة” لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لكن استمرار الشحن والفتن والمحن لغـّمت المدارس، خاصة بعد ما تجرّأ تلاميذ على الاحتجاج لإجبار بابا أحمد على تحديد العتبة، وهو ما يكون قد حصل بعد ما تقرّر تحديدها في أفريل القادم!
في وقت سابق، ربطت أغلب النقابات “مصائب” قطاع التربية بالوزير السابق، أبو بكر بن بوزيد، وكادت أن تحمّله مسؤولية ثقب الأوزون كلـّما برّرت خيارها باللجوء إلى الإضراب، فبعد هدنة قصيرة، وبعد أن “ارتاح” بن بوزيد من وجع الدماغ، استأنفت النقابات “حربها”، لكن هذه المرة على بابا أحمد عبد اللطيف!
منذ كنـّا أطفالا يعيش قطاع التربية إضرابات لا تريد أن تنتهي، وقد تتلمذنا ودرسنا وحفظنا ودخلنا الامتحانات، وأخفق من أخفق، ونجح من نجح، وتغيّرت الأجيال، بالنسبة للمدرسين والمتمدرسين، لكن صوت النقابات واحد، لا يتغيّر: احتجاجات وإضرابات، تهديد ووعيد وضرب تحت الحزام مرفوق بحوار وتكسار وتورط من الطرفين بصبّ البنزين على النار!
من الطبيعي أن “تخاف” الوزارة نقابات التربية، فالقطاع يوظف أكثر من نصف مليون معلم وأستاذ ومستخدم، وهذا العدد كفيل بأن يلوي ذراع الحكومة كلها وليس وزارة القطاع فقط، لكن المؤسف والمؤلم، أن التلاميذ تحوّلوا إلى “دروع بشرية” بين هؤلاء وأولئك، والأخطر من هذا، أن البعض هنا وهناك، بدأ يلعب دور “حمّالة الحطب” للإبقاء على النار مشتعلة!
لماذا كلّ هذا “التخلاط” والمدّ والجزر والضغط والابتزاز والمساومة والترغيب والترهيب؟ أوليس هناك حلول سلمية وسليمة بين المتخاصمين لتجنيب المدرسة الأسوأ والانزلاق نحو مستنقع السنة البيضاء التي لا تخدم إلاّ الفوضى والبلبلة وضرب استقرار المدرسة الجزائرية؟
المؤسف أيضا، أننا لا نسمع أصواتا حكيمة تدعو إلى التعقّل وتغليب المصلحة الجماعية لإنقاذ المدرسة من الشدّ والمدّ، وإنما يكاد يتفق المتهارشون على الدفع بها نحو الهاوية والعياذ بالله