حوادث تبدأ بطرائف.. وتنتهي بتابوت على الأكتاف
تنوّعت حوادث المرور في بلادنا، وارتفع عددها بشكل جنوني، فتعددت الأسباب والمصير واحد، ومع ارتفاع الحصيلة هناك حوادث تبدأ بتصرفات طائشة وطريفة وأحيانا مجنونة تلقي بصاحبها إلى التهلكة، فتفتح تابوتا وتحجز قطعة كفن.
بعض الجزائريين يفضلون المغامرة عبر الطرقات باللجوء إلى سلوكيات من وحي الجنون، كما هو الحال مع صاحب سيارة مرسيدس من آخر طراز قابلة لانزال السقف، يحوّلها إلى مركبة لحمل لوحات الخشب التي تستعمل في البناء، فيجول بها في الطرقات، وهي ممتدة من خلفه، غير آبه بما تشكله من أخطار، بينما قام سائق آخر في الجزائر العاصمة بحمل الآجر في سيارته السياحية، فملأ الصندوق الخلفي، ثم قام بوضع الآجر في الكراسي الأمامية والخلفية، ولم تعد المركبة تتسع إلا للسائق بجنبه مواد حمراء، ومن خلفه أيضا، وأصبحت سيارته من الزواحف تتحرك بصعوبة وتكاد تنطق من هول ما تحملته من مواد بناء، فحتى الذي صنع هذه المركبة لو تابع المشهد لتراجع عن فكرة صنع السيارات، وبولاية جيجل هناك عجوز غُرِّرَ بها، وأرغمها أحد أقاربها على ركوب زورق يتم جره بسيارة وسط الزحمة، فركبت الحاجة على الحافة الخلفية للزورق ورجلاها تتدليان توشك أن تلامس الأرض، وكان السائق يصول في الطرقات ويلتوي في المنعرجات، والحاجة تتمايل كالسكارى، والموت يطاردها من كل زاوية، بينما كان السائق يسير ويتكلم بهاتفه النقال وكأنه في رحلة سياحية.
ثلاجة داخل سامبول و”فروطوار” لمسح زجاج السيارة
وفي لقطة مثيرة للغاية شوهد صاحب سيارة من نوع سامبول، وهو يسير عبر الطريق المزدوج يحمل معه ثلاجة، نعم ثلاجة كبيرة وضعها فوق المقاعد الخلفية، وترك الباب الجانبي مفتوحا، وجزء كبير من الثلاجة خارج المركبة يمتد من الجهة الجانبية للسيارة، وكان صاحبنا يسير بسرعة فائقة في يوم ممطر، ولنا أن نتصور أي ميلان يودي لانزلاق الثلاجة، وسقوطها لتصطدم بمركبة أخرى، فهنا من حق الضحية أن يتساءل كيف وصلت الثلاجة إلى الطريق المزدوج، كما يمكن لأي عملية تجاوز أن تنتهي بالاصطدام بالثلاجة، وستسجل حينها الحماية المدنية أول حادث بسبب جهاز كهرو منزلي، وهناك سائق سيارة تعطلت له ماسحات المطر، فلم يتردد رفيقه في إخراج فروطوار لمسح الزجاج والمركبة تسير في الطرقات، وفي مشهد آخر عوض أن ينبطح الميكانيكي تحت الشاحنة لإصلاحها قام بحملها عاليا، وتركها متكئة على عجلتين جانبيتين ودعمها بعمودين، بينما جلس هو تحتها ليقوم بعمله بصفة عادية، وفي هذا المشهد المفزع أي حركة بسيطة تعني سقوط الشاحنة بكاملها فوق رأس الميكانيكي.
طفلان ملتصقان بعجلة وخروفان فوق الدراجة النارية
وأما أطرف لقطة ضبطناها فكانت من أب لطفلين يركب دراجة نارية، بها كيسين جانبيين في الجهة الخلفية، فلم يتردد في وضع كل طفل في كيس، وراح يسوق دراجته النارية بكل اطمئنان، فمن كل جانب من الدراجة يظهر رأس طفل صغير بريء لا علم له بالخطر الذي يحيط به، وفي مشهد مماثل قام به سائق سيارة سياحية الذي كان يحمل طفله الصغير، وهو يسوق سيارته في نفس الوقت، وهي الظاهرة التي تكررت أكثر من مرة، حيث يغامر العديد من الآباء بالجمع بين أبنائهم ومقود السيارة في نفس الوقت.
وأما شاب آخر فكان يسوق دراجته النارية وخلفه صديقه يحمل خروفين، نعم خروفين وليس خروفا واحدا، وكانا يسيران في الطريق بصفة عادية، والسائق يقوم بتجاوز السيارات وصديقه يمسك بالخروفين اللذين لو نطقا لم يكونا ليوافقا على التنقل بهذه الطريقة، وبعيدا عن هذه الصورة هناك حيوانات من نفس الفصيلة بل قطيع من الأغنام اعتاد على قطع الطريق السيار عبر الممر العلوي، بينما يقوم بعض الناس بقطعه ركضا، فبمجرد أن يقترب القطيع من المكان تكون وجهة الخرفان باتجاه السلالم لتصعد الممر العلوي بتلقائية، وكأنها تعلم بأن في الأسفل سيارات تسير بسرعة وقد تودي بحياتها، لكن عندما تكون في أعلى الممر تلمح من تحتها راجلين يسابقون السيارات في مغامرة جريئة لقطع الطريق.
شاحنة تمزق شابا يطل من نافذة سيارة
تهور السائقين يظهر خاصة في الأعراس، التي كثيرا ما تحوّلت إلى مآتم، بسبب السياقة المتهورة، والتي تبدأ بالتجاوزات الخطيرة والتلاعب بالسيارات، ومحاولة الرقص بها في الطرقات، والخروج من نوافذ السيارات، وهذه الظاهرة بالذات انتهت بمأساة ببلدية قلال الواقعة جنوب ولاية سطيف تحول عرس إلى مأتم بعد مشهد دراماتيكي مثير للغاية، حيث كان الضحية البالغ من العمر 18 سنة على متن سيارة تتقدم موكب العروس ليقرر بعدها الخروج من نافذة السيارة للتصفيق والغناء مثلما اعتادت عليه مواكب الأعراس، وفجأة قام سائق السيارة بعملية تجاوز لشاحنة، وهنا حدثت الكارثة، حيث احتك جسم الشاب بالشاحنة فأصابته على مستوى الظهر والجهة الخلفية للرأس لأن السائق لم يبتعد بالقدر الكافي عن الشاحنة لينفلت الضحية من نافذة السيارة، بعدما مزقته الشاحنة شر تمزيق، ومن هول الموقف لم يتمالك سائق السيارة نفسه، وقام بتدوير المقود بسرعة فانقلبت السيارة، وأصيب السائق بجروح رفقة شخص ثالث كان على متن المركبة، بينما لفظ الضحية الذي مزقته الشاحنة أنفاسه الأخيرة بعين المكان، وتحولت الاحتفالات بالعروسين إلى أجواء جنائزية مؤثرة.
ليلة في السبيطار ولا دقيقة روطار
الظاهر أن البعض لازالوا يؤمنون بشعار ليلة في السبيطار ولا دقيقة روطار، وهو الشعار الذي حمله بعض الجهلة في السابق، فكانوا يطيرون عبر الطرقات، وكأنهم متجهون لإطفاء النار أو يحملون معهم قطعا من الماء المجمد يخشون ذوبانها، وهي العقلية التي كانت تنتشر في السابق بين سائقي سيارات الأجرة في شرق البلاد، خاصة بولاية سطيف التي اشتهرت بالسرعة، إلى درجة أنهم أصبحوا محل تنكيت فيقال إن أحد سائقي سيارات الأجرة بسطيف كان منشغلا بلعب الدومينو ولما امتلأت سياراته بالزبائن طلب من زميله أن يمسك عنه حجرات الدومينو حتى يوصل الجماعة إلى العاصمة ويعود لمواصلة اللعب، وهناك أصحاب سيارات أجرة يتنافسون في تحقيق أقصر توقيت في قطع المسافة بين سطيف والعاصمة وفيهم صاحب رقم قياسي، ومنهم من حطمه أكثر من مرة، وسائقو الحافلات لهم نصيبهم في مسلسل مغامرات عبر الطريق، ففيهم من اعتادوا على التسابق بحافلاتهم من أجل الظفر بالدور في المحطة القادمة، والظفر بأكبر عدد من الركاب، فقد سبق أن ثارت ثائرة سائق حافلة ببلدية العلمة، لما لاحظ الزحمة فقرر تجاوز المركبات التي كانت أمامه فصعد فوق الرصيف بسرعة جنونية، وأصاب ثلاثة تلاميذ كانوا متوجهين إلى المدرسة، وفي حادث آخر لقيت امرأة حتفها عند نزولها من حافلة للنقل الحضري، حيث انطلق السائق ولم ينتبه لباب الحافلة، الذي انغلق على الجزء الخلفي لحجاب المرأة الذي بقي ملتصقا بالباب، وهو ما أدى إلى سقوط المرأة وبقيت الحافلة تجرها إلى أن داستها العجلات الخلفية دون أن ينتبه السائق للأمر، والمرأة الآن في تعداد الموتى، والمعروف عن حافلات النقل بالعلمة أنها تتوقف في كل مكان دون احترام الموقف المخصص لها، ويكفي أن ترفع يدك حتى يتوقف السائق على الفور، ولا يبالي بتعطيل حركة المرور والحوادث التي قد تنجم عن التوقف المفاجئ. ويحكى أن أحد المارة قام بحك رأسه فوجد الحافلة توقفت أمامه، ظنا من صاحبها أن المعني يريد الركوب، وهو المشهد الذي يدل على التدهور الفظيع للقطاع، وهناك حافلات عبارة عن توابيت متنقلة لا تتوفر على أدنى شروط السلامة فراملها مرتبطة بالحظ والقدر، وبعض أجزائها مربوطة بسلك فولاذي.
قطار مجنون ومقود حافلة بيد سائق مزطول
أما أكبر مغامرة على الاطلاق، فكانت تلك التي قام بها سائق الحافلة ببلدية آفلو ولاية الأغواط بتاريخ 30 سبتمبر 2014 ، والذي تسبب في مجزرة رهيبة، بعدما قام بمناورة خطيرة فاصطدم بحافلة قادمة في الاتجاه المعاكس مما خلف 17قتيلا و25 جريحا، وتبين بعد التحقيق أن السائق البالغ من العمر 33 سنة كان تحت تأثير المخدرات، يعني سائق مزطول أعطوه حافلة ساقها نحو المجهول، وقد تمت إحالته على العدالة التي أدانته بـ 10 سنوات سجنا نافذا وغرامة مالية قدرها 100 مليون سنتيم، مع حرمانه من رخصة السياقة مدى الحياة، واتضح أن السائق المزطول كان يسير بسرعة 115 كلم /سا في مكان حددت فيه السرعة بـ 60 كلم/سا.
والمغامرة الثانية كانت بتاريخ 5 نوفمبر الماضي، في حادثة انحراف القطار الكهربائي الرابط بين الجزائر العاصمة والثنية، والذي انحرف عن مساره وتسبب في مقتل سيدة تبلغ من العمر 55 سنة وإصابة 96 شخصا بجروح، وتبين من خلال تحقيق مصالح الدرك أن سائق القطار كان يسير بسرعة 108 كلم/سا في الوقت الذي كان عليه أن يخفض السرعة إلى 30 كلم/ سا، وكل ذلك كان من وحي المغامرات المجهولة العواقب.
ويحكى أن هناك جزائري كان يسوق سيارة في سويسرا، فلم يحترم إشارة الاتجاه الممنوع، ولما ألقت الشرطة القبض عليه نقلته إلى العيادة وعرضته على طبيب نفساني وطبيب أمراض عقلية، لأنهم شكُّوا في قدراته الذهنية، ولم يتصور بشرا يسير في الاتجاه الممنوع، ولو طُبِق الأمر في بلادنا لأمسى معظم السائقين عند الطبيب النفساني.
يشتري الدراجة الغالية ولا يقتني الخوذة الرخيصة
السيدة فلورة بن برغوث رئيس الجمعية الوطنية لمساندة الأشخاص المعاقين التي التقيناها تقول نحن كمعاقين أدركتنا الإعاقة بسبب حوادث المرور، ونتمنى ما حدث لنا لا يحدث لغيرنا، ونحن الآن نتحرك ميدانيا لنشر الوعي وسط الناس عند استعمالهم للطريق الذي أصبح في بعض الأحيان عبارة عن سوق مفتوحة، تجد فيها كل التصرفات الغريبة والخطيرة، ورسالتنا نوجهها خاصة إلى مستعملي الدراجات النارية، فمنهم من يشتري دراجة نارية غالية الثمن، لكنه يرفض شراء الخوذة الرخيصة الثمن مقارنة بدراجته، مع العلم أن هذه الأخيرة يمكنها أن تنقذ حياته، فالوعي مطلوب في الطرقات وكل شيء له قانون، وعلى المستعجل أن يستيقظ باكرا ويسافر في ساعة مبكرة حتى لا يحتاج إلى السرعة، ويصل في الوقت إلى المكان الذي يقصده، ويحول دون تغير الوجهة باتجاه المستشفى أو المقبرة، وأما السيد رابح بن محي الدين المكلف بالإعلام بالمديرية العامة للحماية المدنية، فيقول بأن الدراسات أثبتت أن السائق هو المتسبب الرئيسي في حوادث المرور والعملية بحاجة إلى توعية لصاحب السيارة والشاحنة والحافلة، ولو تم احترام قانون المرور لتجنبنا الكثير من الحوادث، ومن جهته السيد بن حليمة مسعود الناطق الرسمي لجمعية طريق السلامة الذي التقيناه بسطيف يُحمِّل المسؤولية لمدارس السياقة، ويقول من غير المعقول أن قائد الطائرة يدرس 30 سنة حتى يتمكن من حمل 40 شخصا في طائرة الفوكير، بينما نحن نعطي رخصة السياقة لسائق في ظرف 15 يوما ليحمل 90 شخصا في حافلة.