-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حول الإصلاحات التربوية مرة أخرى

الشروق أونلاين
  • 2538
  • 8
حول الإصلاحات التربوية مرة أخرى

مفتتح: قال “ج. هاردي”، منظِّر البيداغوجيا الاستعمارية ومدير التعليم العمومي بالمغرب في العشرينيات: “بواسطة اللغة الفرنسية سنتمكن من ربط التلاميذ بفرنسا”.

مع أن كثيراً من القطاعات في بلادنا أحوجَ ما تكون إلى الاهتمام والمعالجة والتغيير، من فرط ما فيها من الاختلال والنقص والعجز والتورّم والفساد؛ فإن قطاع التربية وميدان التعليم هو الأكثر احتياجا إلى ذلك، في الوقت الحاضر، بعد هدر وقتٍ ثمين يزيد عن خمس عشرة سنة في “الترقيع ” و”الإصلاح” الذي لم يثمر إلا فشلا وضعفا.

وما تشهده الساحة اليوم، في تصوّري، يتجاوز أن يكون مجرد حراك اجتماعي وثقافي وتربوي وحتى سياسي. إنه أقرب إلى صراع محموم متداخل متشابك بين فريقين ـ على الأقل ـ يرمي كل فريق إلى صياغة مشروعه المستجيب لاحتياجاته ومصالحه وأهدافه. وبالطبع لا يمكن أن يكون الفريقان محقّين معاً، فلا بد أن يكون أحدهما على صواب والآخر على خطأ، وستتضح المسألة بعد حين.

ـ فأما فريق الإصلاحات وإصلاح الإصلاح والجيل الثاني فيريد أن يجعل المدرسة الجزائرية وسيلة لصياغة مشروع اجتماعي ـ ثقافي متوسط أو طويل المدى، ينتهي إلى مشروع كيان (وطن) بلا ملامح مميّزة، ولا قيم خصوصية، ولا إنّية أو أصالة بتعبير مولود قاسم رحمة الله عليه، بمعنى آخر وطن بلا جذور ولا تاريخ ولا امتداد حضاري، ولا صلة له بمحيطه القريب إلا جغرافياً، أي كيانٌ تابع خادم لمصلحة صاحب الثقافة السائدة والتصور “المصنّع” في المدرسة على مدار عقود (أتحدث عن المستقبل لو قُدّر لمشروعهم النجاح). ونحن اليوم نرى ونسمع ونلمس نماذج من هذه الكائنات “المصنّعة” في مخابر ومؤسسات الفرنجة (بتعبير أجدادنا) ممثلة في جيل واسع؛ خاصة من أبناء وبنات الذوات من الإعلاميين والمثقفين والمديرين، وأصحاب الأموال ومالكي المؤسسات والمتنفّذين الغارقين إلى أذقانهم في حُب الغرب وثقافة الغرب، المتماهين حد الذوبان، وبالأخص مع فرنسا. وليس سرّا أن أبناء هؤلاء وبناتهم ومن لفّ لفّهم من قطعان المستلبين والمستلبات مثال صارخ على “المنتوج” الخالص لما ارتضوه؛ سواء أرادوا ذلك أصالة عن أنفسهم أم أريد لهم بحكم اعتبارات وظروف وملابسات متعددة؛ وحيث إن العالم قرية صغيرة الآن، ووسائط التواصل ميسورة مبذولة، فيمكن لكل إنسان أن يعرفَ بشكل واسع وقائع الفساد والانحطاط وملامح ذلك النموذج الإفرنجي لدى فئات ممن تربّوا وتقولبوا فيه، ورضعوا “حليب” القيم الغربية التي جعلتهم بهذا الشكل “المتفرنج” المقزز، لا هم عرب ولا هم جزائريون ولا هم غربيون… إنهم خليط مدهش من قيّم متنافرة متضاربة، يرفضهم مجتمعهم الأصلي لانقطاع صلتهم المعنوية به، ويرفضهم المجتمع الآخر لأنهم لا يمثّلونه.

إحلال العربية محلّها الطبيعي اللائق؛ وهي أن تكون لغة تربية وتعليم وأن تكون اللغة الأولى، فالعربية ليست قاصرة في أي حقل، وهي تتسع لكل العلوم والمعارف عندما تكون الإرادة صادقة وجادة. والعبرة في لغة العدوّ الصهيوني الميتة التي جعلها حية بالاستخدام والعمل، من المدرسة إلى المختبر النووي.

ـ وأما الفريق الثاني ففريق عام.. فريق الشعب وأبناء الشعب، على اختلاف في منابتهم ورؤاهم، ولكنهم ـ عموما ـ يرغبون في الاستقرار والاستقامة والتربية والصلاح والانسجام والازدهار والسلام والأمن والإيمان، ويريدون أجيالا محبة لوطنها ودينها ولغتها، متصلة أشد الاتصال بمقوّماتها وتاريخها وأصالتها، غير متنكّرة لأصولها ولا مقطوعة عن جذورها، دون أن ترفض التأقلم مع الجديد الذي تبتكره العقول الإنسانية في أي مجال. في ميزان هذا الفريق الوطني الإسلامي الكثير من الدلائل والبراهين على أن رؤيته أصوب ومنهجه أقوم؛ لأنه يستمد ملامحه من الثوابت والمبادئ، وينسجم في خطه الفكري العام مع الجغرافيا والتاريخ والقيم والأعراف والأصول وكل ما يجعل من الإنسان إنسانا يشترك مع الآخر في مسائل، ولكنه يتميّز عن الآخر أيضا بما ارتضاه الله تعالى له من دين وخُلق وطُهر واستقامة وإنسانية وسموّ.

ومن ثم فإن هذا الفريق الأعم الغالب ـ عددا على الأقل ـ لا يرفض الإصلاح كإصلاح، ولكنه يفهمه على أنه إعادة تصويب لتجاوز الاختلالات والمشكلات الكثيرة القائمة في قطاع التربية والتعليم، وفق رؤية منهجية وفكرية تجعل التربية والتعليم جسر عبور إلى مجتمع متناغم متجانس متحابّ متوافق، ومقتضى ذلك فهو يرى المنظومة التربوية مشروطة بـ:

  إحلال العربية محلّها الطبيعي اللائق؛ وهي أن تكون لغة تربية وتعليم وأن تكون اللغة الأولى، فالعربية ليست قاصرة في أي حقل، وهي تتسع لكل العلوم والمعارف عندما تكون الإرادة صادقة وجادة. والعبرة في لغة العدوّ الصهيوني الميتة التي جعلها حية بالاستخدام والعمل، من المدرسة إلى المختبر النووي.

  إحلال المضامين الراقية والمحتويات السامية في كل المواد المحل اللائق بها أيضا، وبالأخص في مجال الصلاح والاستقامة كالتربية الإسلامية والجغرافيا والتاريخ.. والمعارف المختلفة التي تكوّن الإنسان تكوينا سليما إيجابيا واعدا. ويقتضي ذلك العناية بالمناهج ومحتويات البرامج والكتب.

ـ إبعاد التربية والتعليم عن السياسة بمعناها المبتذل الساقط، وهو الاستخدام لأغراض غير أخلاقية، أو لأغراض غير بريئة وهو ما تجتهد الفلول التغريبية فيه بإصرار مثير للحنق؛ حيث تعملُ على التمكين للفرنسية قيما ولغة، دون اهتمام بباقي الأمور، وكأن ما يهم عندهم هو أن نُلحَق بفرنسا وينتهي الأمر.

ـ إن الاهتمام المتزايد باللغة الفرنسية ـ على حساب أمور أخرى أكثر أهميةـ هو مثار الاستغراب والاستنكار، وإنما ينبغي أن يكون الاهتمام باللغة الفرنسية على قدر ما تستحقه فقط، وهي اليوم في المرتبة العاشرة عالميا، فلا هي لغة المستقبل ولا هي لغة العلوم والمعارف. وذلك يعني أن تكون اللغة الأكثر انتشارا والأوفر استخداما ـ أي الانكليزيةـ هي محل الاهتمام كلغة ثانية في التدريس والتكوين والتعليم؛ فهي مفتاح الدخول إلى القرية الكونية (العالم) واستكمال شرط المواطن العالمي لا يتم إلا بهذه اللغة.

5 – أن تكون التربية والتعليم وسيلة حقيقية لصناعة المستقبل المشرق، من خلال صناعة الإنسان الصالح ـ خاصة في السنوات الأولى من عمره ـ وأن يُعتنى بكل مكوّنات التربية والتعليم: من المدرس، إلى المدير، إلى المؤسسة التربوية، إلى الأنشطة اللاصفية.. إلى آخر مكوّن من مكونات الفضاء التربوي؛ لأن ذلك هو الأصل وهو مفتاح التقدم والازدهار، كما تفعل البلدان التي سبقت في هذا المضمار وحققت نتائج باهرة.

إن هناك الكثير من المشكلات في المنظومة التربوية تحمل طابع الاستعجال والأولوية فيجب أن يُهتمّ بها الآن… وليس غدا. و”بركات ” من الديماغوجية والمعارك الدونكيشوتية وتضييع الوقت وصرفه فيما لا يفيد. فنحن نتأخر فيما غيرنا يتقدّم ويحقق عاما بعد عام قفزات وتطورا، ويدخل إلى النظام التربوي الكثير مما لا نكاد نعرفه: كالتفكير الإبداعي، والتفكير النقدي، والفرص المتعددة، والذكاءات المتعددة، والتدريب على القيادة… وموضوعات وموادّ أخرى لا نكاد نسمع بها.

فأي الفريقين أحق؟ وأي الفريقين أصدق في دعواه وأقرب إلى روح المجتمع الجزائري وأشواقه في غد مشرق باهر؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • مواطن

    كثير من الملاحظات صحيحة لكن الحقيقة أن الجزائر تعيش فترة غموض بحيث فقد الشعب هويته بفعل طبقة سياسية(النظام القائم ومعارضته)لا تعير للمجتمع أي اهتمام سوى أن يوصلها إلى الحكم دون مقابل.الأخطر من كل ذلك فقدان روح الوحدة الوطنية مما خلف أمراضا قضت عليها الثورة التحريرية وهي الجهل العلمي والجهوية ثم الأسوأ منها جميعا العنصرية.لهذا انهارت الشخصية الجزائرية فارتمى الانتهازيون في أحضان الأجنبي المتعدد.لذلك نحتاج إلى عقد ميثاق وطني شعبي يعاد فيه ترتيب أمورنا ومنها التربية الوطنيةلأن الأنانية لا تفلح أبدا

  • مناع ـ الجزائر

    التربية الحديثة وسيلة خطيرة في بناء الأجيال، والتركيز على إحياء واستعمال اللغة الفرنسية ( التي هي في أدنى المراتب في أروبا) في التحصيل والتعلم في دول المغرب العربي ليس هدفه تحسين الأداء والمنتوج التربوي، لأن ذلك لم لن يحدث، ولو استعملت أرقى مناهج التربية في العالم ، والدليل اعتراف السيدة الوزيرة بأن التعامل مع الخبراء الفرنسيين تحت مسمى التعاون في التربية يعود إلى سنة 1985، ورغم ذلك تحتل الجزائر ( في منتوج التربية) المرتبة 119 من 145 دولة في العالم والمرتبة 19 بين الدول الإفريقية ...!

  • مناع ـ الجزائر

    المجتمع الجزائري يعج بأشخاص يهمهم كثيرا تحقيق مصالحهم ولو على حساب الوطن والأمة ، وهم يستحوذون على الكثير من أمور السياسة والمال والإعلام، مما يمكنهم من تسيير أناس ( بحجم شعب بالملايين) لم يستفيدوا من تربية عميقة بناءة تمكنهم من فرز السليم من الكثير من الغث..
    إذا كنا لا ننف أن جزائريين بمئات الآلاف ماتوا من أجل فرنسا في فترة الإستعمار والثورة، فهل ننفي وجود من يسعى لإبقاء الشعب في مستوى محدود من الفهم (رغم العنجهية )، لتمرير الرسائل التي تمكن من القيادة السلسة له ولمصالحه دون احتجاج ورد فعل ..

  • مناع ـ الجزائر

    ـ عمليات التكوين المتبعة مع الإطارات التربوية (كلهم) ، وهل يمكن قبول خريج الجامعة لأداء عمليات بيداغوجية( تحتاج إلى معرفة بخصوصيات المادة المدرسة ، وبالبيداغوجيا المتعلقة باستعمال الوسائل والطرق , وبعلم النفس التربوي والإجتماعي ـ وبالتأهيل النفسي والبدني للمربي )
    أخطر إشكالية في التربية الوطنية هي ( فهمنا لمعادلة الحصان والعربة ، من يكون في الأمام)
    إن ما يستعمل من مصطلحات ومفاهيم في التربية قاصر قصورا كبيرا في تحقيق أهداف التربية الحديثة التي تسعى إلى بناء الفرد والمجتمع قبل بناء الإقتصاد

  • مناع ـ الجزائر

    كلمتي موجهة للسيد حسن خليفة الكاتب
    1 ـ الإشكالات المطروحة في التربية الوطنية في الجزائر تحتاج إلى نقاش خاص ودقيق، خاصة في ما يتعلق بالأهداف المقصودة من كل عملية:
    ـ المفاهيم المستعملة في ميدان التربية مثل (التربية ـ المعلم والمنشط ـ التعليم والتعلم ـ الإمتحانات والتقويم ـ اللغات الأجنبية المستعملة ـ الإدارة والتسيير في التربية ..
    ـ نوعية المناهج الحالية المنفذة في التربية في الجزائر ، وهل الموضوع يتعلق بتجديدها
    ـ السياسة المتبعة في تنفيذ المناهج في الميدان ، ومستوى جدية المتابعة .. يتبع

  • عبد الحميدالسلفي

    السلام عليكم.
    للتمكين لذلك يجب أن نحصن الأجيال القادمة من الغزو الفكري الذي يعمل على إرسائه في جميع أرجاء العالم. من خلق أفرادراضخين للهيمنة العالمية ممن يريدون لهم الإحتلال الذهني والتبعية لسيطرة العولمة الممنهجة وفق إتفاق الدول الإستعمارية القديمة في إطار جديد ,يفتح الأبواب على مصراعيه لأحفاد المستعمرين القدامى على غرار أجدادهم للإحتلال,لا يهمهم إلا إبتلاع كل ما يخالف قيمهم لإتمام الهيمنة التامة على الخيرات الطبيعية والأسواق التجارية ونسج عقول الإتباع و الإنبطاح.
    الحل هو شريعة المعز الجبار.

  • ازوار

    المقال تربوي تعليمي ولغوي لاعلاقة له بالديانات
    لكن احفاد ال سعود ونهيان و.... يعتقدون انهم بالحجاز و الخليج
    وسوف يخرج علينا العرب الاقباط و المسلمون و يلصقون العربية بالديانات
    وحسبهم كل من لا يدرس العربية من المسلمين فهو اقل تدين وطهارة وفهامة وما الى ذلك
    نحن نقول للعرب يهودا ومسلمون ومسيحيون ان يتجنببوا ذلك
    اما بالنسبة للغة العرب الاقباط *العربية* وموليير الفرنسية انصحهم بالتحضير لخروجهم
    من الجزائر الى باريس وصنعاء

  • مراد

    كلّ الناس يعلمون أن الغالبية الساحقة هي الفريق المتشبث بدينه و لغته و قيم مجتمعه الطامح الى الرقي و تبوؤ المكانة المرموقة بين الامم لكن العجب ان شرذمة من اذناب فرسا استطاعت ان تفرض مشاريعها على المجتمع..... اين هي الاطارات النزيهة من ابناء هذا المجتمع و ماذا تنتظر لتتوحد و تنتفض من اجل انقاذ ما يمكن انقاذهه