حول الإصلاحات التربوية مرة أخرى
مفتتح: قال “ج. هاردي”، منظِّر البيداغوجيا الاستعمارية ومدير التعليم العمومي بالمغرب في العشرينيات: “بواسطة اللغة الفرنسية سنتمكن من ربط التلاميذ بفرنسا”.
مع أن كثيراً من القطاعات في بلادنا أحوجَ ما تكون إلى الاهتمام والمعالجة والتغيير، من فرط ما فيها من الاختلال والنقص والعجز والتورّم والفساد؛ فإن قطاع التربية وميدان التعليم هو الأكثر احتياجا إلى ذلك، في الوقت الحاضر، بعد هدر وقتٍ ثمين يزيد عن خمس عشرة سنة في “الترقيع ” و”الإصلاح” الذي لم يثمر إلا فشلا وضعفا.
وما تشهده الساحة اليوم، في تصوّري، يتجاوز أن يكون مجرد حراك اجتماعي وثقافي وتربوي وحتى سياسي. إنه أقرب إلى صراع محموم متداخل متشابك بين فريقين ـ على الأقل ـ يرمي كل فريق إلى صياغة مشروعه المستجيب لاحتياجاته ومصالحه وأهدافه. وبالطبع لا يمكن أن يكون الفريقان محقّين معاً، فلا بد أن يكون أحدهما على صواب والآخر على خطأ، وستتضح المسألة بعد حين.
ـ فأما فريق الإصلاحات وإصلاح الإصلاح والجيل الثاني فيريد أن يجعل المدرسة الجزائرية وسيلة لصياغة مشروع اجتماعي ـ ثقافي متوسط أو طويل المدى، ينتهي إلى مشروع كيان (وطن) بلا ملامح مميّزة، ولا قيم خصوصية، ولا إنّية أو أصالة بتعبير مولود قاسم رحمة الله عليه، بمعنى آخر وطن بلا جذور ولا تاريخ ولا امتداد حضاري، ولا صلة له بمحيطه القريب إلا جغرافياً، أي كيانٌ تابع خادم لمصلحة صاحب الثقافة السائدة والتصور “المصنّع” في المدرسة على مدار عقود (أتحدث عن المستقبل لو قُدّر لمشروعهم النجاح). ونحن اليوم نرى ونسمع ونلمس نماذج من هذه الكائنات “المصنّعة” في مخابر ومؤسسات الفرنجة (بتعبير أجدادنا) ممثلة في جيل واسع؛ خاصة من أبناء وبنات الذوات من الإعلاميين والمثقفين والمديرين، وأصحاب الأموال ومالكي المؤسسات والمتنفّذين الغارقين إلى أذقانهم في حُب الغرب وثقافة الغرب، المتماهين حد الذوبان، وبالأخص مع فرنسا. وليس سرّا أن أبناء هؤلاء وبناتهم ومن لفّ لفّهم من قطعان المستلبين والمستلبات مثال صارخ على “المنتوج” الخالص لما ارتضوه؛ سواء أرادوا ذلك أصالة عن أنفسهم أم أريد لهم بحكم اعتبارات وظروف وملابسات متعددة؛ وحيث إن العالم قرية صغيرة الآن، ووسائط التواصل ميسورة مبذولة، فيمكن لكل إنسان أن يعرفَ بشكل واسع وقائع الفساد والانحطاط وملامح ذلك النموذج الإفرنجي لدى فئات ممن تربّوا وتقولبوا فيه، ورضعوا “حليب” القيم الغربية التي جعلتهم بهذا الشكل “المتفرنج” المقزز، لا هم عرب ولا هم جزائريون ولا هم غربيون… إنهم خليط مدهش من قيّم متنافرة متضاربة، يرفضهم مجتمعهم الأصلي لانقطاع صلتهم المعنوية به، ويرفضهم المجتمع الآخر لأنهم لا يمثّلونه.
إحلال العربية محلّها الطبيعي اللائق؛ وهي أن تكون لغة تربية وتعليم وأن تكون اللغة الأولى، فالعربية ليست قاصرة في أي حقل، وهي تتسع لكل العلوم والمعارف عندما تكون الإرادة صادقة وجادة. والعبرة في لغة العدوّ الصهيوني الميتة التي جعلها حية بالاستخدام والعمل، من المدرسة إلى المختبر النووي.
ـ وأما الفريق الثاني ففريق عام.. فريق الشعب وأبناء الشعب، على اختلاف في منابتهم ورؤاهم، ولكنهم ـ عموما ـ يرغبون في الاستقرار والاستقامة والتربية والصلاح والانسجام والازدهار والسلام والأمن والإيمان، ويريدون أجيالا محبة لوطنها ودينها ولغتها، متصلة أشد الاتصال بمقوّماتها وتاريخها وأصالتها، غير متنكّرة لأصولها ولا مقطوعة عن جذورها، دون أن ترفض التأقلم مع الجديد الذي تبتكره العقول الإنسانية في أي مجال. في ميزان هذا الفريق الوطني الإسلامي الكثير من الدلائل والبراهين على أن رؤيته أصوب ومنهجه أقوم؛ لأنه يستمد ملامحه من الثوابت والمبادئ، وينسجم في خطه الفكري العام مع الجغرافيا والتاريخ والقيم والأعراف والأصول وكل ما يجعل من الإنسان إنسانا يشترك مع الآخر في مسائل، ولكنه يتميّز عن الآخر أيضا بما ارتضاه الله تعالى له من دين وخُلق وطُهر واستقامة وإنسانية وسموّ.
ومن ثم فإن هذا الفريق الأعم الغالب ـ عددا على الأقل ـ لا يرفض الإصلاح كإصلاح، ولكنه يفهمه على أنه إعادة تصويب لتجاوز الاختلالات والمشكلات الكثيرة القائمة في قطاع التربية والتعليم، وفق رؤية منهجية وفكرية تجعل التربية والتعليم جسر عبور إلى مجتمع متناغم متجانس متحابّ متوافق، ومقتضى ذلك فهو يرى المنظومة التربوية مشروطة بـ:
إحلال العربية محلّها الطبيعي اللائق؛ وهي أن تكون لغة تربية وتعليم وأن تكون اللغة الأولى، فالعربية ليست قاصرة في أي حقل، وهي تتسع لكل العلوم والمعارف عندما تكون الإرادة صادقة وجادة. والعبرة في لغة العدوّ الصهيوني الميتة التي جعلها حية بالاستخدام والعمل، من المدرسة إلى المختبر النووي.
إحلال المضامين الراقية والمحتويات السامية في كل المواد المحل اللائق بها أيضا، وبالأخص في مجال الصلاح والاستقامة كالتربية الإسلامية والجغرافيا والتاريخ.. والمعارف المختلفة التي تكوّن الإنسان تكوينا سليما إيجابيا واعدا. ويقتضي ذلك العناية بالمناهج ومحتويات البرامج والكتب.
ـ إبعاد التربية والتعليم عن السياسة بمعناها المبتذل الساقط، وهو الاستخدام لأغراض غير أخلاقية، أو لأغراض غير بريئة وهو ما تجتهد الفلول التغريبية فيه بإصرار مثير للحنق؛ حيث تعملُ على التمكين للفرنسية قيما ولغة، دون اهتمام بباقي الأمور، وكأن ما يهم عندهم هو أن نُلحَق بفرنسا وينتهي الأمر.
ـ إن الاهتمام المتزايد باللغة الفرنسية ـ على حساب أمور أخرى أكثر أهميةـ هو مثار الاستغراب والاستنكار، وإنما ينبغي أن يكون الاهتمام باللغة الفرنسية على قدر ما تستحقه فقط، وهي اليوم في المرتبة العاشرة عالميا، فلا هي لغة المستقبل ولا هي لغة العلوم والمعارف. وذلك يعني أن تكون اللغة الأكثر انتشارا والأوفر استخداما ـ أي الانكليزيةـ هي محل الاهتمام كلغة ثانية في التدريس والتكوين والتعليم؛ فهي مفتاح الدخول إلى القرية الكونية (العالم) واستكمال شرط المواطن العالمي لا يتم إلا بهذه اللغة.
5 – أن تكون التربية والتعليم وسيلة حقيقية لصناعة المستقبل المشرق، من خلال صناعة الإنسان الصالح ـ خاصة في السنوات الأولى من عمره ـ وأن يُعتنى بكل مكوّنات التربية والتعليم: من المدرس، إلى المدير، إلى المؤسسة التربوية، إلى الأنشطة اللاصفية.. إلى آخر مكوّن من مكونات الفضاء التربوي؛ لأن ذلك هو الأصل وهو مفتاح التقدم والازدهار، كما تفعل البلدان التي سبقت في هذا المضمار وحققت نتائج باهرة.
إن هناك الكثير من المشكلات في المنظومة التربوية تحمل طابع الاستعجال والأولوية فيجب أن يُهتمّ بها الآن… وليس غدا. و”بركات ” من الديماغوجية والمعارك الدونكيشوتية وتضييع الوقت وصرفه فيما لا يفيد. فنحن نتأخر فيما غيرنا يتقدّم ويحقق عاما بعد عام قفزات وتطورا، ويدخل إلى النظام التربوي الكثير مما لا نكاد نعرفه: كالتفكير الإبداعي، والتفكير النقدي، والفرص المتعددة، والذكاءات المتعددة، والتدريب على القيادة… وموضوعات وموادّ أخرى لا نكاد نسمع بها.
فأي الفريقين أحق؟ وأي الفريقين أصدق في دعواه وأقرب إلى روح المجتمع الجزائري وأشواقه في غد مشرق باهر؟