-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حياة “دار الحديث” العامرة

حياة “دار الحديث” العامرة
ح.م
وجوه من جمعية العلماء المسلمين

زرت مدينة تلمسان لأول مرة في عام 1971 بدعوة كريمة من الصديق العزيز “سي العربي غالم” طيب الله ثراه، وجعل الجنة مثواه.

منذ ذلك التاريخ تعلق قلبي بمدينة تلمسان، خاصة أن دليلي في زيارتهم هو الصديق “سي العربي غالم” الذي قبض قبضة من روح تلمسان، فعرفني معالمها، ودروبها، وصرت كثير التردد عليها رغم بعد الشقة، لأنها تذكّر بمدن الأندلس التي فقدناها بلهونا وعبثنا.. فقد احتضنت كثيرا من منكوبي تلك المدن الأندلسية..

وممن سعدتُ بمعرفتهم في مدينة تلمسان منذ عقد ونيف من الأعوام الأستاذ محمد بومشرة، الذي تأملته كما أوصى الإمام عبد الحميد ابن باديس في قوله:

“وعن صدق إحساس تأمل فإن في ملامح وجه المرء ما يكسب العلما”

واستفتيت فيه قلبي، ثم سألت من أعرفهم في تلمسان ممن يعرفونه في الحل والترحال، وخبِروا شخصه، فتجمع لديّ من ذلك التأمُّل، واستفتاء القلب، ومساءلة العارفين ما اطمأنَّت له نفسي، وانشرح له صدري، واتلف معه قلبي، فباطنه كظاهره، وسرّه كعلانيته، مؤمن بما يجب الإيمان به، عامل بما يجب العمل به، متخلق بما أمر به الإسلام من رفق، وودٍّ، وصدق، وأمانة، ومما زادني حبا فيه، وائتلافا معه اهتمامه بتاريخ جمعية العلماء الملسمين الجزائريين، وكيف لا يهتم بها وتلمسان – ماخطة غرسه، وماشطة عرسه– كانت إحدى قلاع تلك الجمعية المباركة، ومستقرّ أحد مؤسسي تلك الجمعية، وأحد مجاهدي الجزائر وعلمائها الأعلام الإمام محمد البشير الإبراهيم. 

والأستاذ محمد بومشرة مطّلع على تاريخ تلك الجمعية النبيل، عارف بكثير من أعلامها، مقتنع بمبادئها، متشبِّع بقيمها، داع ـ على بصيرة وبحكمةـ إليها، مجادل ـ ببراعة ـ لخصومها، مظهر فضلها على الجزائر والجزائريين بالدليل القاطع والبرهان الساطع.. 

من مؤسسات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الجزائر عامة، وفي تلمسان خاصة، مدرسة ليست كأحد من المدارس، من حيث صاحب فكرة إنشائها، إلى مهندسها، إلى المشتركين في تأسيسها، إلى بعض تلاميذها وتلميذاتها.. 

كل ذلك رصده الأستاذ محمد بومشرة، وجمع أخباره، ودوّنه في كتاب صغير الحجم، كبير الفائدة سماه “حياة دار الحديث العامرة– تلمسان”، فأحسن صنعا، أحسن الله إليه، فأدى حق التاريخ، و”دين التاريخ أحق أن يقضى”. 

فأما صاحب فكرتها فهو الإمام محمد البشير الإبراهيمي الذي سماه الإمام عبد الحميد ابن باديس “محيي تلمسان”، فكان كما قال الشاعر صاحب القول الجميل والفكر الأصيل محمد العيد آل خليفة: 

لقد بُعث “البشير” لها بشيرا   بمجد كالرّكاز بها يثار 

فقد اقترح الإمام الإبراهيمي على أفاضل التلمسانيين فكرة تأسيس “دار الحديث” فتقبّل الفكرة كرامُ التلمسانيين، وقرّروا أن يجسِّدوا ذلك الأمل بالعمل، فكانت “دار الحديث” بدعا من مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومنشآتها.. وقد قرر الإمام الإبراهيمي أن تكون “دار الحديث” مقابلة لثانوية “دوسلان” الفرنسية، وأعلى منها بُنيانا، وأحسن أشكالا وألوانا، وعهِد بإخراج “المتصوّر” إلى المهندس عبد الرحمن بوشامة، فكان نِعم “المصوِّر”، وأحيا حضارة الأندلس المعمارية.. فكانت ـ ومازالت رغم الإهمال ـ تحفة تسرّ الناظرين.. وأراد “أعداء التاريخ” أن ينسخوا اسم “دار الحديث” فتحرّك “جنود ربك”، وأبطلوا كيد الكائدين..

 اقترح الإمام الإبراهيمي على أفاضل التلمسانيين فكرة تأسيس “دار الحديث” فتقبّل الفكرة كرامُ التلمسانيين، وقرّروا أن يجسِّدوا ذلك الأمل بالعمل، فكانت “دار الحديث” بدعا من مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومنشآتها.. وقد قرر الإمام الإبراهيمي أن تكون “دار الحديث” مقابلة لثانوية “دوسلان” الفرنسية، وأعلى منها بُنيانا، وأحسن أشكالا وألوانا.

وتتألف “دار الحديث” من طابق أرضي يُستعمل للصلاة، وطابق أول متعدِّد الاستعمالات، فهو قاعة محاضرات، ويمكن أن يتحول إلى “مسرح” لتقديم المسرحيات الهادفة وقاعة مطالعة، ومكتبة، وتوجد في الطابق الثاني خمسة أقسام للدراسة..

لقد كان تدشين مدرسة دار الحديث في 27-30 سبتمبر 1937، أياما مشهودة في تاريخ تلمسان والجزائر، وقد اعتبرها بعض الكتّاب “عيدا” و”عرسا علميا”، أغاظ الفرنسيين وخدّامهم، وأفرح قلوب المؤمنين، ورأى بعضُهم في تلك الأيام “فجرا بدا واستهل” كما قال محمد العيد في قصيدة ألقاها في تلك المناسبة وسمّاها “دعاك الأمل”، وهو ما تحقق بعد سبعة عشر عاما من ذلك التدشين، حيث أعلن الجهاد في أول نوفمبر 1954.. وكان ممن نفروا للجهاد تلاميذ وتلميذات “دار الحديث”، يتقدمهم رمزان من رموز جهادنا: المجاهد الشهيد لطفي، والمجاهدة الشهيدة مليحة حميدو، وقد أحسن صنعا من سجّل أسماء تلاميذ “دار الحديث” وعلقها في مدخل المدرسة، وقد بلغ العدد إلى 47 شهيدا وشهيدة رحمهم الله، ورضي عنهم، وأرضاهم.

وعند تدشين المدرسة وقف الإمام الإبراهيمي أمام الباب ووجّه كلامه إلى أخيه الإمام ابن باديس قائلا: “أخي الأستاذ الرئيس، لو علمتُ في القطر الجزائري، بل في العالم الإسلامي رجلا له يدٌ على العلم مثل يدكم، وفضلٌ على الناشئة مثل فضلكم لآثرته دونكم بفتح هذه المدرسة، ولكنني لم أجد، فباسم تلمسان، وباسم الجمعية الدينية بالخصوص أناولكم المفتاح لتفتحوها، فهل لهذه المدرسة أن تتشرف بذلك؟”.

فأخذ الإمام ابن باديس المفتاح، وقال متوكِّلا على الله، واثقا من وعده بالنصر لمن نصره، وبانتصار الحق مهما طغى الطاغون، واستعلى المستعلون: “بسم الله الرحمن الرحيم ثم على اسم العروبة والعلم والفضيلة أفتح مدرسة دار الحديث، ربّنا أنزلنا منزلا مبارَكا وأنت خير المُنزلين، ربنا أدخلنا مدخل صدق وأخرجنا مخرج صدق، واجعل لنا من لدنك سلطانا نصيرا، قل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا”

..ثم أغلقتها مرة أخرى في منتصف 1956، لتتّخذ منها مركزا عسكريا إلى أن “جاء نصرُ الله” وخسرت فرنسا وخدّامُها، الذين ورَّثوا خيانتهم لأبنائهم.. الذين يحاولون بشتى الطرق أن يُبقوا الجزائر تابعة لفرنسا.. ومن هذه الطرق الثأر من المدرسة الوطنية الباديسية بطرد القيم الإسلامية من المدرسة الجزائرية.. وإحلال “قيم” الميوعة والتخنث بدلها. 

وقد حيّا الإمام ابن باديس أهل تلمسان، وشكرهم على صنيعهم.. كما شكرهم محمد العيد قائلا:

وصِغ لبني تلمسان التحايا** كطاقات يرف بها العمار

ووفّ تلمسان اعتبارا** وأدنى ما جزيت به اعتبار

بها دار الحديث لها ينادى** وفيها “ابن الصلاح” له يشار

وليس “ابن الصلاح” سوى “بشير” ** لنا انتشرت معارفه الكثار 

“إن دار الحديث – كما يؤكد الأستاذ محمد بومشرة– لا تُكتب في سطور أبدا، لأنها ذاكرة شعب، إن لم أقل ذاكرة أمة”. (ص8)

لقد أصاب فرنسا ـ عدوة العلم ـ السّعارُ لإنشاء دار الحديث، وتميّز افتتاحها فأغلقتها مرة أولى في ديسمبر 1937، وغرّمت الإمام الإبراهيمي، ثم نفته في 1940 إلى آفلو، ولم تفتح دار الحديث إلا في 1943، ثم أغلقتها مرة أخرى في منتصف 1956، لتتّخذ منها مركزا عسكريا إلى أن “جاء نصرُ الله” وخسرت فرنسا وخدّامُها، الذين ورَّثوا خيانتهم لأبنائهم.. الذين يحاولون بشتى الطرق أن يُبقوا الجزائر تابعة لفرنسا.. ومن هذه الطرق الثأر من المدرسة الوطنية الباديسية بطرد القيم الإسلامية من المدرسة الجزائرية.. وإحلال “قيم” الميوعة والتخنث بدلها تحت غطاء “الحداثة البدائية” و”الانفتاح على فرنسا”، كأن الله –عز وجل- لم يخلق إلا فرنسا، التي ما هي إلا “صغرى الدول الكبرى” كما يقول الإمام الإبراهيمي.

شكرا للأستاذ محمد بومشرة على وفائه لدار الحديث، ولمن عانوا في سبيلها، وفي سبيل الجزائر، وتحيّة لوارثي مجد دار الحديث، وعمّارها بالإيمان والعلم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!