الرأي
من بوغوتا إلى لواندا ومن مدريد إلى أكرا:

حين تتهاوى أسطورة الحسم المغربي في الصحراء الغربية

لم تعد قضية الصحراء الغربية مجرد ملف مؤجل في أدراج المؤسسات الدولية، ولا قضية يمكن للرباط أن تطويها بتوسيع شبكة علاقاتها أو بتكثيف حضورها الاقتصادي والسياسي في إفريقيا. فكلما حاولت الدبلوماسية المغربية تقديم صورة توحي بأن الزمن حسم القضية، جاءت الوقائع من عواصم مختلفة لتقول شيئاً آخر تماماً: القضية ما تزال حاضرة، وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره لم يسقط بالتقادم.

تتراكم المؤشرات في اتجاه واحد: لا يمكن فرض واقع سياسي بالقوة على حساب حق شعب في الحرية والاستقلال.

أكرا… أكثر من مجرد مراسم دبلوماسية

في هذا السياق، لا يمكن اختزال اعتماد سفير الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية لدى جمهورية غانا في مجرد إجراء بروتوكولي.

فتقديم السفير الصحراوي نسخة من أوراق اعتماده إلى وزير الخارجية الغاني في العاصمة أكرا، يحمل دلالة سياسية تتجاوز مراسم الاستقبال والاعتماد.

إنها صورة واضحة لاستمرار حضور الجمهورية الصحراوية داخل العلاقات الإفريقية الرسمية، واستمرار تعامل دولة إفريقية ذات تاريخ سياسي ووزن قاري معها باعتبارها طرفاً في العلاقات الثنائية والإفريقية.

والأهم من مراسم الاعتماد نفسها هو تجديد الجانب الغاني موقف حكومته من القضية الصحراوية، والتأكيد على الاستعداد لتعزيز التنسيق والعمل المشترك مع الجمهورية الصحراوية.

وهنا تحديداً تكمن الرسالة التي يصعب على الرباط تجاهلها: تطوير العلاقات المغربية مع الدول الإفريقية لا يعني تلقائياً إزاحة القضية الصحراوية من الذاكرة السياسية للقارة، ولا يعني أن كل عاصمة إفريقية مستعدة للتخلي عن مبدأ تقرير المصير.

غانا، الدولة التي ارتبط اسمها تاريخياً بحركة التحرر الإفريقية، تعرف جيداً معنى الاستعمار، وتعرف أيضاً أن الاستقلال لا يُمنح بمنطق القوة، وإنما هو حق للشعوب.

بوغوتا أيضاً قبل ذلك… والتضامن يعبر القارة ولم تكن أكرا حالة منفردة.

ففي كولومبيا، تجدد موقف جماعي لأكثر من 40 عضواً في الكونغرس دعماً لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره واستقلاله، في موقف يعكس استمرار حضور القضية خارج فضائها الجغرافي والإفريقي.

وبغض النظر عن اختلاف الساحات السياسية والجغرافية، فإن أهمية هذه المبادرات تكمن في أنها ترفض اختزال قضية الصحراء الغربية في الرواية التي تحاول الرباط تسويقها، وتعيد التأكيد على أن القضية مرتبطة بحقوق شعب وبمسار تصفية استعمار لم يُغلق بعد.

وهكذا، كلما اتسعت الدبلوماسية المغربية في اتجاه، ظهرت أصوات سياسية وقانونية في اتجاه آخر تعيد القضية إلى أصلها: شعب صحراوي وحق في تقرير المصير.

مدريد… القانون الإسباني الأخير يفتح هو الآخر جبهة جديدة

ثم تأتي مدريد لتضيف تطوراً بالغ الأهمية.

فالمضي في المسار البرلماني الإسباني المتعلق بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء الغربية يعيد فتح ملف المسؤولية التاريخية والقانونية لإسبانيا تجاه مرحلة استعمارية لم تنتهِ آثارها بمجرد انسحاب الإدارة الإسبانية.

وهنا تكمن حساسية الخطوة بالنسبة للطرح المغربي؛ لأنها تعيد الصحراء الغربية إلى فضاء القانون والمؤسسات، بدلاً من تركها رهينة لمنطق الأمر الواقع.

فالصحراوي الذي عاش تحت الإدارة الإسبانية لا يظهر في هذا السياق باعتباره تفصيلاً من الماضي، بل باعتباره جزءاً من تاريخ سياسي وقانوني ما تزال آثاره حاضرة.

إنها ضربة أخرى لفكرة أن مرور الزمن كفيل بإسقاط الملف من الذاكرة السياسية والقانونية الأوروبية.

المحكمة الأوروبية… حين يتقدم القانون على السياسة

وقبل مدريد، كان القضاء الأوروبي قد وجّه بدوره رسائل شديدة الوضوح بشأن التعامل مع الصحراء الغربية ومواردها، مؤكداً أن الإقليم متمايز ومنفصل عن المغرب تماماً، ولا يمكن استغلال ثرواته من غير استشارة ممثله الشرعي والوحيد، جبهة البوليساريو.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى التي تواجه الرباط:

كلما حاولت تحويل القضية إلى أمر واقع سياسي، أعادها القانون إلى أصلها.

وكلما سعت إلى تقديم السيطرة الميدانية باعتبارها حلاً نهائياً، جاءت المؤسسات القضائية لتؤكد أن الواقع السياسي لا يلغي القواعد القانونية.

لواندا… والمغرب داخل البيت الإفريقي

وفي إفريقيا نفسها، جاءت قمة لواندا الاستثنائية لتكشف مفارقة أخرى.

فالمغرب، الذي حاول طويلاً تقديم نفسه باعتباره صاحب الرؤية الإفريقية الجديدة، وجد نفسه يجلس إلى جانب الجمهورية الصحراوية في إطار قمة استثنائية للاتحاد الإفريقي.

وهذه الصورة وحدها تحمل أكثر من دلالة.

فعضوية الجمهورية الصحراوية في الاتحاد الإفريقي ليست تفصيلاً بروتوكولياً يمكن تجاهله، كما أن وجودها إلى جانب المغرب داخل المؤسسة القارية يؤكد أن محاولة فرض رواية واحدة للصراع لم تنجح في إلغاء الحضور الصحراوي من المنظومة الإفريقية.

القارة التي خرجت من رحم الاستعمار تعرف أن القضايا لا تُحسم بمجرد تغيير موازين النفوذ أو عقد التحالفات الاقتصادية، وأن حق الشعوب في تقرير مصيرها ظل أحد المبادئ المؤسسة للوعي السياسي الإفريقي.

ليست ضربة واحدة… بل تراكم سياسي

لهذا، فإن قراءة كل حدث بمعزل عن الآخر قد تقلل من أهميته.

أما وضع هذه التطورات جنباً إلى جنب، فيكشف مشهداً أكثر وضوحاً:

سفير صحراوي يعتمد في أكرا، أكثر من أربعين نائباً كولومبياً يجددون دعم حق الشعب الصحراوي، البرلمان الإسباني يعيد فتح الباب أمام معالجة إرث الإدارة الإسبانية، القضاء الأوروبي يضع حدوداً قانونية للتعامل مع الإقليم وموارده، والجمهورية الصحراوية تواصل حضورها داخل الاتحاد الإفريقي إلى جانب المغرب.

هذه ليست جبهة واحدة، ولا معركة تدور في مؤسسة واحدة.

إنها مسارات متوازية: دبلوماسية، وبرلمانية، وقانونية، وإفريقية، وسياسية.

وقد تختلف العواصم واللغات والآليات، لكن الرسالة المشتركة بينها واحدة: قضية الصحراء الغربية لم تُدفن، وحق الشعب الصحراوي لم يُمحَ من أجندة العالم.

إلى الرباط: العلاقات ليست اعترافاً

قد تنجح الرباط في توقيع اتفاقيات اقتصادية، وقد توسع علاقاتها مع عواصم إفريقية وأوروبية وأمريكية لاتينية، وقد تحاول الاستثمار في المصالح الثنائية للضغط باتجاه تغيير المواقف. لكن العلاقات الدولية ليست معادلة حسابية بسيطة.

فالدولة التي تتعامل مع المغرب في الاقتصاد قد تختلف معه في قضية الصحراء الغربية. والدولة التي تطور علاقاتها مع الرباط قد تتمسك في الوقت نفسه بمبدأ تقرير المصير للشعب الصحراوي.

وهنا تحديداً تسقط إحدى أكثر رهانات الأطروحة المغربية خطورة: الخلط بين الانفتاح السياسي والاقتصادي على المغرب وبين التسليم بروايته حول الصحراء الغربية.

القضية التي يرفض الزمن أن يقتلها، فكلما ظنت الرباط أن الملف ابتعد عن مركز الاهتمام، عاد من بوابة جديدة.

ومن أكرا تأتي الدبلوماسية، ومن بوغوتا يأتي الصوت البرلماني، ومن مدريد يأتي القانون، ومن لوكسمبورغ يأتي القضاء الأوروبي، ومن لواندا تأتي إفريقيا لتؤكد أن الجمهورية الصحراوية ما تزال حاضرة في مؤسسات القارة.

وهذه هي المفارقة التي تكشف هشاشة الأطروحة المغربية: كل الأبواب التي حاولت إغلاق القضية من خلالها، تفتح في المقابل أبواباً جديدة تعيدها إلى الواجهة.

إن قضية الشعب الصحراوي ليست مشروعاً مؤقتاً، ولا ورقة تفاوضية قابلة للإلغاء، ولا ملفاً يمكن أن تمحوه الخرائط الملونة أو الحملات الإعلامية.

إنها قضية شعب يناضل من أجل حقه المشروع في تقرير المصير والحرية والاستقلال.

وفي النهاية، قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتغير خرائط المصالح، لكن ما لا تستطيع الدبلوماسية المغربية تغييره هو حقيقة أن القضايا العادلة لا تموت لأنها أُجلت، والشعوب لا تفقد حقها في الحرية لأن الاحتلال طال أمده.

ومن بوغوتا إلى لواندا ومن مدريد إلى أكرا، تبدو الرسالة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى:

المشكلة لم تعد في حضور القضية الصحراوية على الساحة الدولية، بل في عجز الأطروحة المغربية عن إقناع العالم بأن الأمر الواقع يمكن أن يكون بديلاً عن حق الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال.

مقالات ذات صلة