حين تخلّى الدّعاة عن رسالة الشّيخ الغزالي!
في سنوات مضت، كنّا نقرأ للشّيخ محمّد الغزالي -رحمه الله- فنستمتع بأسلوبه الأدبي، وترقى هممنا برقي خطابه الدّعويّ الذي يعالج قضايا الأمّة الكبرى، بمنهج راسخ صين، يشير بوضوح ومن دون مواربة إلى مواطن الدّاء، ويسرد أسبابه، ثمّ يشخّص العلاج النّاجع.. ومع ذلك كنّا نستغرب حدّته في انتقاد بعض من يتحرّكون في حقل الدّعوة، مع أنّهم -فيما كنّا نظنّ- يسعون بدورهم إلى إعادة الأمّة إلى معين الوحي الصّافي.. لكنّنا الآن نكتشف أنّ الشّيخ الغزالي كان محقّا في حدّته، ولو أنّ العلماء والدّعاة آزروه وشدّوا من أزره، وواصلوا مسيرته، ما فجعت الأمّة بهذا الوباء الذي ينخر جسدها في منعطف خطير وحاسم من تاريخها.
من كان يتوقّع أنّ الظاهريين الجدد الذين قال عنهم الشّيخ الغزالي -رحمه الله-: “هؤلاء لا سلف ولا خلف، وأدمغتهم تحتاج إلى إعادة تشكيل”؛ يمكن أن يتحوّلوا إلى خناجر مسمومة في خاصرة الأمّة وهي تواجه عدوّها الصهيو-صليبيّ الذي استباح أرضها وحارب دينها؟ من كان يتوقّع أنّ هؤلاء سيصبحون خيارا مفضّلا لدى مراكز الدّراسات الغربية، إلى الدّرجة التي تجعلها توصي الحكومات في الضفة الأخرى بدعمهم -بطريقة غير مباشرة- أي بتوجيه شركائها لدعم شيوخهم ودعاتهم وتسهيل نشر أدبياتهم في المواقع والواقع؟! من كان ينتظر أن يصل الأمر بالعدوّ الصّهيونيّ إلى حدّ الجهر برضاه عن هؤلاء الأدعياء، وهو الذي طالما كان حريصا على إخفاء إعجابه بمن يخدمون مشروعه؟!
حينما كان الشّيخ الغزالي -رحمه الله- يواجه -وحيدا- هذا التيار في بداياته، لم يكن الأمر قد وصل بشيوخه إلى خذلان الأمّة في أصعب مواجهاتها، ولم يصل به الأمر إلى حدّ طعن خواصر المجاهدين في فلسطين، لكنّهم كانوا يسلقون بألسنتهم الحداد علماء الأمّة العاملين ومصلحيها الصّابرين، يتّهمونهم بتنكّب منهج السّلف والابتداع ومخالفة السنّة، ويحذّرون منهم ومن كتاباتهم، حتّى كانت كتب الشّيخ الغزالي يضيّق على نشرها وتوزيعها، بل قد كانت تصادَر من مكتبات المساجد وتُخبّأ في الزّوايا البعيدة بين رفوف مكتبات الجامعات! ولم يكتف الأدعياء بهذا حتّى نشروا كتبا ورسائل تحذّر من الشّيخ ومن كتبه، وتصنّفه عقلانيا معتزليا ضالاًّ، لا لشيء إلا لأنّه دعا إلى الاهتمام بالفقه والدراية مثل الاهتمام بالرواية، وهو يرى كثيرا من شباب الأمّة أصبحوا لا همّ لهم إلا الاستكثار من الرّوايات من دون فقه وعلى حساب القرآن، حتّى راجت في الأوساط العامّة والخاصّة ظاهرية عصرية، تقف عند ظواهر النّصوص، وتهمل الفقه والنّظر، بل ولا تهتمّ بفهم الروايات في ضوء حقائق القرآن، ولا في سياقاتها التي وردت فيها، وأكثر من ذلك تشغل الأمّة بالجزئيات عن الكليات، وبالخلاف في مسائل الفقه الصغيرة عن الاهتمام بقضايا الأمّة الكبيرة، حتّى أضحى الخلاف حول جلسة الاستراحة وموضع اليدين، وحول طول الثوب وحدّ اللحية، يلهي عن الالتفات إلى نكبة العلمانية التي صبغت الحياة العامّة والخاصّة، وسخّرت وسائل الإعلام بمختلف أوزانها، لإبعاد الجيل الجديد عن قضايا الأمّة.
خاض الشّيخ الغزالي -رحمه الله- المعركة ضدّ الظاهرية العصرية في بداياتها، وظلّ صابرا حتى لقي الله تعالى، وكان يفترض في الدّعاة والمصلحين أن يكملوا مسيرة التوعية، لكنّ صوت الحقّ خفت كثيرا، وهو يرى الدّعم الماديّ والمعنويّ يتدفّق على شيوخ الظاهرية العصرية، ويرى الأتباع يفرضون منطقهم في شرق الأمّة وغربها.. وظلّ صوت الحقّ كذلك، حتّى تبيّن أخيرا مدى فداحة الخطأ المرتكب بالتخلّي عن رسالة الشّيخ الغزالي، طيّب الله ثراه.