الرأي

حين تنفتح الجامعة على الخبيث.. بدل العلم النافع!

تتسابق الأمم في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والطاقة النظيفة وما إليها، أما بعض جامعاتنا فتنشغل بمحاضرات حول “التحيّز الجندري” وبالانفتاح على قيم من هذا القبيل.

إنها ظاهرة غريبة في بلدنا الذي لا يعاني من إقصاء النساء، بل على العكس من ذلك إذ تُهيمن اليوم الطالبات والأستاذات على المشهد الأكاديمي. فهل نحن أمام تبادل ثقافي نافع، أم أمام استيراد لمخططات فكرية تُستعمل لتغيير بوصلة جامعاتنا بعيدًا عن أولوياتها الحقيقية؟

عناوين أيديولوجية مُستوردة من واقع آخر

في الآونة الأخيرة، اطلعنا على منصة إحدى جامعات مدينة قسنطينة فاستغربنا في استضافتها أستاذة من فرنسا لإلقاء محاضرة بعنوان “التوظيف والترقية دون صور نمطية قائمة على النوع الجندري”، بل يقول موقع الجامعة إن الأمر يتعلق بـ”تكوين المكونين” في هذا المجال ضمن اتفاقية مع جهة أوروبية! يكشف هذا النشاط المشبوه عن عمق التناقضات التي تعيشها جامعاتنا حين تتبنى، من دون تمحيص، مشاريع فكرية وأكاديمية غريبة عن واقعها ومجتمعها.

ففي الجزائر اليوم، لا نحتاج إلى من يذكّرنا بالمساواة بين الرجل والمرأة في التعليم والعمل لأن الأرقام تتحدث بوضوح يفوق أي خطاب. من لا يعلم عندنا وعندهم أن أكثر من نصف طلبتنا في الجامعات هو من الإناث، وفي عديد الكليات تُشكّل الطالبات ما يفوق 60% من المسجّلين. أمّا هيئة تدريس سلك التعليم في كل مستوياته فحدث ولا حرج، وكذا الأمر في عديد القطاعات. كما أن إدارات الجامعات مليئة بهنّ، وبعضهن تدرْن مؤسسات ضخمة وتُشرفْن على آلاف الطلبة والباحثين. فأين هو التمييز في بلادنا الذي تقصده هذه الأستاذة في حديثها عما تصفه بـ”الصورة النمطية”؟

من يتابع الخطاب الأكاديمي في أوروبا يدرك أن موضوع “الجندر” بات جزءًا مما يُعرف بـ”اللغة الإلزامية” في المؤسسات الجامعية، تمامًا كما هي شعارات البيئة والاستدامة والعدالة الاجتماعية. لكن الفرق أن تلك القضايا نابعة في تلك البلدان من صراع اجتماعي وتاريخي عبر العصور، ومن حضارة أخرى. أما في الجزائر، فخلال بضعة عقود بعد الاستقلال تحوّل الوضع بشكل طبيعي إذ صار حضور النساء في الجامعة أقوى مما هو عليه الحال في عديد الجامعات الغربية والشرقية… وقد حدث ذلك دون انتظار مثل هذا الخطاب الأيديولوجي المشبوه.

والجدير بالملاحظة أنه حين تُنظَّم في جامعاتنا مثل هذه الندوات أو المحاضرات بشعارات غربية جاهزة فإنها لا تعبّر عن احتياجاتنا بل تعبّر عن رغبة في مسايرة موضات فكرية تفرضها مراكز القرار الأكاديمي في الغرب، وخاصةً في المشاريع المموّلة عبر برامج تقع تحت مظلة التعاون المتوسطي. فبدل أن يكون هذا البحر فضاء للتعاون العلمي المتوازن، يُراد له أحيانا أن يكون ممرًا لتصدير الأيديولوجيا الغربية نحو الضفة الجنوبية. والمشكلة لا تكمن في تبادل الخبرات ولا في الحوار الأكاديمي، بل تتمثل في مصيبة تحوّل بعض جامعاتنا إلى ساحاتٍ لتجريب الخطاب الغربي دون نقد، حتى وإن كان الأمر يتعلق بضرب قيمنا المجتمعية والعقائدية.

إن المتتبع لنشاط الأستاذة الضيفة -من خلال سيرتها الذاتية ومحاضراتها المتاحة في شبكة الإنترنت ومن خلال نشاطها المكثف في بلدها وإشرافها على هيئة همّها الدفاع عن المخنّثين ومن والاهم- سيدرك أن نشاطها في الجامعة القسنطينية يندرج في هذا السياق، وهو ليس سوى وسيلة لزرع فكرة غربية خبيثة في فضاءاتنا الجامعية. فالمشاريع المموّلة أوروبيا غالبا ما تفرض محاور بحث وقواعد تقييم للمجتمعات وفق الرؤية الغربية، وتستبعد كل مقاربة مختلفة أو نقدية. وهكذا نجد أنفسنا نناقش قضايا الغرب في جامعات الجنوب، بدل أن نناقش قضايا الجنوب في جامعاتنا.

الأولوية للعلم لا للخطاب الأيديولوجي

يُفترض أن تكون الشراكات الدولية فرصة لتبادل المعارف وبناء القدرات، لكنها حين تُوجّه نحو محاور لا تمسّ أولوياتنا، تتحوّل إلى أدوات تخدم التبعية ثقافية. فالبلاد بحاجة إلى خبرات في الغذاء والزراعة الذكية والمياه والطاقة والصحة والتكنولوجيا الرقمية، لا إلى دروس وورشات في “التحيّز الجندري”. فهذه قضايا مستوردة من سياقات سياسية وثقافية لا تشبهنا في شيء، ومن العبث أن نخوض في هذه المواضيع.

يُثير الأمر سؤالاً أعمق: هل جامعاتنا قادرة على تحديد خططها الفكرية والعلمية؟ إنّ استيراد مفاهيم جاهزة دون تفكير نقدي يجعل من الجامعة منصة تمرير ناعمة لمشاريع غير وطنية. ولعلّ أخطر ما في هذه الندوات أن كثيرا منها يُقدَّم على أنه “تقدم علمي” أو “توعية ثقافية”، في حين أنه في جوهره عملية إعادة برمجة للخطاب الأكاديمي حتى يتماشى مع قوالب غربية لا مكان لها في أولويات مجتمعٍ يعيش تحديات من نوع آخر غير “الجندري”.

ومن المفارقات أن هذه الندوات تجري في جامعة تضم 5 كلية تكنولوجية وبيولوجية وعلمية دقيقة، لا تُعالج بالشكل اللازم، مثلا، مسألة أسباب هجرة الكفاءات العلمية من الجزائر، ولا تطرح أزمة البحث العلمي أو ضعف تمويله من القطاع الخاص، ولا تتساءل عن أسباب غياب التنسيق بين الجامعة والقطاع الاقتصادي. لا، بل تفضل تلويك مقولات جاهزة حول “حرية المرأة” ونحوها، وكأن مجتمعنا يعيش كحال المجتمع الأوروبي خلال القرون الوسطى. هذا التناقض وحده كافٍ ليجعل أي مراقب يشكك في نوايا القائمين على هذه المشاريع، وفي مدى وعيهم بالسياق الذي يتحركون فيه.

إن الجامعة ليست مكانًا لترديد الشعارات المستوردة، بل من واجبنا أن نفتح أبواب مؤسساتنا الجامعية للعلماء الحقيقيين، لا للناشطين الأيديولوجيين. كان أجدى بالجامعة التي استضافت هذه المحاضرة أن تدعو مثلا عالمًا فرنسيًا في التكنولوجيا الحيوية أو الطاقة الشمسية أو الطب الحيوي ونحوه، بدل أن تنشغل بخطابات رمزية مشبوهة لا طائل منها.

لقد أثبتت الجزائر عبر تاريخها أن المرأة عنصر أساسي في نهضتها، لا تحتاج إلى وصاية ولا إلى دروس في “المساواة” بين الجنسين. فمن المجاهدات في ثورة التحرير وما قبلها، إلى الباحثات في المخابر، مرّت المرأة الجزائرية بتجربة استقلالية فريدة، لا تشبه تجارب النساء الغربيات اللواتي يقدمن أنفسهن اليوم كمرجعية عالمية.

إنه من المحزن في الوقت الذي تُواجه فيه البلاد تحديات غذائية وبيئية واقتصادية وأمنية متزايدة، وفي لحظةٍ تشهد فيها الأبحاث العالمية عبر العالم سباقًا محمومًا حول الذكاء الاصطناعي والطب الجيني والطاقات المتجددة والمعلوماتية الكمومية وغيرها، من المحزن أن نجد في ظل هذه الظروف العصيبة البعض في جامعاتنا من ينشغل بمحاضرات عن “التحيّز الجندري”.

إنّ استقلال الجامعة لا يقاس فقط بحرية الأساتذة، بل أيضًا بقدرة هؤلاء على مقاومة التبعية الفكرية. ولن تكون لنا جامعة قوية ما لم تكن قادرة على أن تقول “لا” لما لا يخدم مشروعها الوطني (إن وجد)، وأن تقول “نعم” لكل ما ينهض بالبحث والتعليم والإنتاج العلمي الذي يخدم البلاد وأهلها: نحن، حقا، نحتاج إلى تبادل الخبرات مع الغرب، لكننا لا نحتاج إلى استيراد مشاكله.

مقالات ذات صلة