-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"امرأة من نور وطين" للأدبية الجزائرية سارة لعبيزي…

حين يتحوّل الوجع إلى أدب وتصبح الكتابة نجاة

القسم الثقافي
  • 69
  • 0
حين يتحوّل الوجع إلى أدب وتصبح الكتابة نجاة

ليست كل الكتب التي نقرأها مجرد كلمات مرصوفة على الورق؛ فبعضها يشبه نافذة نطلّ منها على أرواح الآخرين، فنكتشف، على نحوٍ غريب، أننا نرى أنفسنا أيضًا. ومن هذا الأفق الإنساني، يأتي كتاب «امرأة من نور وطين» للكاتبة الجزائرية سارة لعبيزي، الصادر عن دار النشر والتوزيع “خطوة” ، والذي سيعرض بالمعرض الدولي للكتابي في الفترة 28 أكتوبر – 07 نوفمبر 2026.

وينتمي هذا الاصدار إلى الكتابة التي تتقاطع فيها الأبعاد الإنسانية والوجدانية والروحية، مع توظيف لافت لبعض المفاهيم العلمية المستمدة من الكيمياء، في مقاربة أدبية لطبيعة الإنسان وتحولاته، حاملًا عنوانًا يختصر مفارقة الإنسان الأزلية: ذلك المزيج العجيب من الهشاشة والقوة، ومن النور الذي يتوق إلى الخلود، والطين الذي يذكّرنا بأننا بشر.

انطلاقا من العنوان، تضع الكاتبة قارئها أمام سؤال يتجاوز حدود الكتابة التقليدية: كيف تستطيع المرأة أن تحافظ على نورها في عالم لا يكفّ عن اختبار قدرتها على الاحتمال؟ وكيف يمكن للروح أن تظلّ مؤمنة بالجمال، رغم ما يتركه الزمن من ندوب في الذاكرة؟

إن «النور» هنا يستدعي الأمل والإيمان والبحث عن المعنى، بينما يحيل «الطين» إلى الجذور الإنسانية بكل ما تحمله من ضعف وتعب وتناقضات. وبين هذين البعدين، تتشكل صورة المرأة التي لا تدّعي الكمال، ولا تنكر انكساراتها، بل تبحث في داخلها عن سبب جديد للنهوض.

الكتابة بوصفها مواجهة مع الذات

ما يجعل تجربة سارة لعبيزي جديرة بالقراءة هو ما يحمله مشروعها الأدبي من رغبة في الاقتراب من المساحات الداخلية للإنسان؛ تلك المساحات التي لا نُظهرها دائمًا للآخرين، لكنها تظل حاضرة في ذاكرتنا وأسئلتنا وصمتنا الطويل.

فالكتابة الوجدانية، حين تتجاوز حدود البوح المباشر، تصبح محاولة لفهم التجربة الإنسانية، لا مجرد تسجيل لها. ويبدو عنوان الكتاب مدخلًا إلى هذه المساحة التي يلتقي فيها الشعور بالتأمل، والذاكرة بالسؤال، والألم بإمكانية استعادة التوازن.

إن المرأة التي يستحضرها العنوان ليست صورة مثالية بعيدة عن الواقع، وإنما إنسان يحمل في داخله تناقضات الحياة، ويحاول أن يصنع من تجربته الخاصة معنى يمكن للآخرين أن يجدوا فيه شيئًا من أنفسهم.

من التجربة الفردية إلى الوجدان الإنساني

تكتسب الكتابة الأدبية قيمتها حين تستطيع عبور المسافة بين صاحبتها والقارئ. فالتجربة التي تبدأ فردية قد تتحول، عبر اللغة الصادقة، إلى مساحة مشتركة يتقاطع فيها القراء، على اختلاف حكاياتهم، عند أسئلة الحب والفقد والإيمان والأمل.

ومن هنا، يمكن قراءة «امرأة من نور وطين» باعتباره عنوانًا يفتح باب التأمل في طبيعة الإنسان نفسه: ذلك الكائن الذي قد يتعب، لكنه يواصل البحث عن الطمأنينة؛ وقد يخيب أمله في بعض الأشياء، لكنه لا يتوقف بالضرورة عن الحلم بأشياء أخرى.

سارة لعبيزي… بين العلم والأدب

في تجربة الكاتبة الجزائرية سارة لعبيزي، يلتقي الاهتمام العلمي بالتعبير الأدبي؛ وهي مساحة تتيح النظر إلى الإنسان من زاويتين مختلفتين: زاوية العقل الذي يسعى إلى الفهم والتحليل، وزاوية الروح التي تبحث عن التعبير والمعنى.

ولا يلزم الأدب أن يبتعد عن العلم كي يحتفظ بحساسيته، كما لا يلزم المعرفة العلمية أن تُقصي الأسئلة الإنسانية. ففي المسافة بينهما، يمكن أن تنشأ كتابة تجمع التأمل بالتجربة، وتمنح المشاعر لغة تستطيع الاقتراب مما يصعب قوله.

كتاب يطرح سؤالًا أكثر مما يقدّم إجابة

في النهاية، لا تكمن أهمية «امرأة من نور وطين» في عنوانه الشاعري وحده، بل في الأسئلة التي يفتحها أمام القارئ عن المرأة والذاكرة والهشاشة الإنسانية والقدرة على استعادة الأمل.

فربما لا تحتاج المرأة إلى أن تكون نورًا خالصًا كي تستحق الاحتفاء بها، ولا إلى أن تتنكر لطينها البشري كي تحافظ على كرامتها. يكفي أن تعترف بما فيها من ضعف وقوة، وأن تواصل البحث عن معنى لحياتها، دون أن تسمح لتجاربها بأن تختصرها في لحظة واحدة.

هكذا يضعنا عنوان الكتاب أمام حقيقة إنسانية بسيطة وعميقة في آن واحد: نحن أبناء الأرض، لكننا لا نتوقف عن التطلع إلى النور.

وما بين الأرض والسماء، وبين ما عشناه وما نرجوه، تبدأ الحكاية التي يحاول الأدب أن يمنحها صوتًا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!