الرأي

حَدِّثونا عن البيداغوجيا!

مع كل دخول مدرسي يتجدد الحديث عن المناهج والكتب والأدوات المدرسية وسلك الأساتذة ووضع الأقسام…، وتُعلن الإجراءات والتدابير التي يفترض أن تضمن سنة دراسية ناجحة.

غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه التفاصيل هو: أين “البيداغوجيا” في القرارات التي نتخذها؟ فهي ليست مجرد مصطلح يُستعمل في الخطابات السياسية والنقاشات التربوية، ولا يقتصر معناه على كيفية تقديم الدرس داخل القسم، وإنما “البيداغوجيا” علم ينظر في تنظيم عملية التعلم بما يراعي مصلحة التلميذ، وخصائصه النفسية والذهنية، وقدراته، والوقت الذي يحتاجه لاكتساب المعارف والمهارات. ولذلك فإن كل قرار يتعلق بالزمن المدرسي، وتكوين الأستاذ، وتنظيم الأقسام، ووضع المناهج، والتقييم، ينبغي أن يخضع قبل كل شيء لسؤال بسيط: هل يخدم هذا القرار تعلم التلميذ واكتسابه للمعارف؟ لا نزعم هنا أن الوزارة غافلة عن هذه المبادئ، وإنما نذكّر بها من باب التأكيد على أن البيداغوجيا ينبغي أن تظل البوصلة في كل إصلاح تربوي.

1. الزمن المدرسي: المسألة ليست إدارية

نقصد هنا بالزمن المدرسي الحجم الزمني الذي تخصصه المدرسة للتعلّم خلال السنة، بما يشمل ساعات الدراسة والعطل. من هذه الزاوية، يبدو من الصعب الدفاع بيداغوجيًا عن منح التلاميذ عطلة تقارب 5 أشهر متواصلة تمتد من شهر ماي إلى سبتمبر. وهذا في الوقت الذي يرى فيه المربون بأن “عطلة صيفية في حدود 6 أسابيع تحقق توازنًا معقولًا بين حاجة التلميذ إلى الراحة والاستجمام وبين ضرورة الحدّ من فقدان التعلمات، ولا سيما في الرياضيات والعلوم”. ويعتقد هؤلاء الخبراء أن العطلة الطويلة التي تتجاوز 10 أسابيع، تؤدي إلى فقدان جزء معتبر من التعلمات.

ولذا مهما كانت الأسباب التي أدت إلى رزنامة هذا العام، فإن انقطاع التلميذ عن الدراسة طوال هذه المدة أمر غير مقبول بيداغوجيا.

كان يمكن التفكير في حلول أكثر مرونة: فإذا كانت الحرارة الشديدة تجعل الدخول المدرسي في الموعد نفسه غير مناسب لبعض المناطق، فلماذا لا يُعتمد، مثلًا، دخول مدرسي متدرج بحسب المناطق المناخية؟ يمكن أن تبدأ الدراسة في المناطق التي تسمح ظروفها بذلك، بينما يؤخر الدخول في المناطق شديدة الحرارة، على أن تُستدرك الأسابيع المؤجلة خلال السنة الدراسية بطريقة مدروسة. على كل حال، فلا مجال للتراجع الآن على ما اتخذ من قرارات وإنما نذكّر بذلك حتى لا نكرر نفس الأخطاء.

2. اللوحة الإلكترونية: مراعاة إيجابياتها وسلبياتها

للّوحة الإلكترونية إمكانات بيداغوجية مهمة إذ تجعل التعلم أكثر تفاعلا ووضوحا، وتساعد على تنويع طرائق العرض وتمثيل المفاهيم المجردة بصورة بصرية وديناميكية. غير أن الإفراط في استخدامها قد يحوّل التلميذ إلى متلقٍّ سلبي، ويضعف جزء كبير من مهارات التفكير والكتابة والحساب. ولذلك ينبغي توظيفها باعتدال بما يخدم الهدف التعليمي، دون أن تحلّ محلّ الوسائل والأنشطة التعليمية المألوفة. ومن المهم جدًا التعمق في دراسة آثار استخدامها في البلدان التي سبقتنا إليها، مثل السويد والولايات المتحدة.

3. الأستاذ: التكوين المستمر واجب

إذا كنا جادين في الحديث عن البيداغوجيا، فلا بد أن نبدأ بالأستاذ. ولا يمكن إصلاح التعليم بمجرد تغيير المناهج والكتب إذا لم نولِ التكوين المستمر للأساتذة ما يستحقه من أهمية. ينبغي أن يصبح التكوين المستمر جزءًا طبيعيًا من الحياة المهنية للأستاذ، لا دورة مناسباتية تُنظم من حين إلى آخر. ذلك أن الأستاذ بحاجة إلى تطوير معارفه في طرائق التدريس، وتقنيات التقويم، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فضلًا عن التخصص الذي يدرّسه.

ينبغي أن يكون هذا التكوين عمليًا: كيف يكتشف الأستاذ تعثر التلميذ؟ كيف يعالج الفروق الفردية؟ كيف يدير القسم؟ كيف يجعل درس العلوم قائمًا على الملاحظة والتجربة والاستنتاج؟ كيف يستخدم التكنولوجيا وسيلةً للتعلم؟ وفي الرياضيات، كيف يساعد التلميذ على استيعاب المفاهيم بدل الاكتفاء بحفظ القواعد؟ كيف يشخّص أخطاءه في الحساب والاستدلال؟ كيف ينمّي لديه القدرة على التفكير المنطقي، وصياغة البرهان كتابيا؟

4. تخصص الأستاذ في الابتدائي: يرفع مستوى التلميذ

هناك مسألة تستحق الدراسة، وهي تنظيم التعليم في المرحلة الابتدائية. فمن أسباب تدنّي مستوى التلاميذ في المواد العلمية، ولا سيما الرياضيات والعلوم، أن الأستاذ قد يتولى تدريسها من دون أن يكون متمكنًا من محتواها العلمي وطرائق تدريسها، بحكم عدم تخصصه فيها.

فكيف نطلب من أستاذ واحد تدريس مختلف المواد، الأدبية والعلمية، بالكفاءة نفسها، بينما تتطلب الرياضيات والعلوم قدرًا من التخصص والإلمام بالمفاهيم وطرائق التفكير الخاصة بكل منهما؟ لذلك، يتعيّن التفكير في نموذج يكون فيه للمدرسة، أستاذ متخصص في العلوم والرياضيات، وربما في مجالات أخرى، بدل أن يتولى أستاذ واحد تدريس جميع المواد. إنها خطوة مهمة نحو رفع مستوى التلاميذ في المواد العلمية وتحسين جودة تعلمهم. فمن المفيد أن يتلقى الطفل، منذ السنوات الأولى، تعليمه العلمي على يد معلم متمكن من المادة ومن طرائق تعليمها.

5. الانضباط داخل الأقسام: ضرورة قصوى

إن مسألة الانضباط داخل الأقسام والمدرسة لا تقل أهمية. فلا يمكن الحديث عن رفع مستوى التحصيل إذا كان ألأستاذ لا يستطيع أن يشرح، والتلميذ لا يستطيع أن يصغي. ولذلك نحتاج إلى دراسة وطنية جادة لواقع الانضباط المدرسي، تشمل مختلف المؤسسات والمناطق، وتبحث في أسباب السلوكيات التي تعيق التعلم، وفي علاقتها بحجم الأقسام، والأسرة، والمناهج، وطريقة إدارة المؤسسة، وتكوين الأستاذة في إدارة القسم.

لا ينبغي أن يتحول هذا النقاش إلى اتهام جماعي للتلاميذ، وإنما إلى تشخيص تربوي واجتماعي ونفسي دقيق يفضي إلى حلول عملية تعيد إلى القسم بيئة الاحترام والتركيز والعمل.

6. الدروس الخصوصية: معضلة العصر

أصبحت الدروس الخصوصية ظاهرة تستحق دراسة علمية مستقلة، لا مجرد مواقف متباينة منها. ينبغي أن نعرف: لماذا يلجأ إليها التلاميذ؟ هل بسبب كثافة البرامج؟ أم ضعف الاستيعاب داخل القسم؟ أم ضغط الامتحانات؟ أم المنافسة؟ أو الموضة؟ أم من تدبير الأستاذ؟ وما آثارها على المدرسة العمومية وعلى الأسرة وعلى الفوارق الاجتماعية بين التلاميذ؟
فإذا تبيّن أن الدروس الخصوصية صارت شرطًا فعليًا للنجاح فإن ذلك يعني أن جزءًا من العملية التعليمية انتقل خارج المدرسة. وهنا ينبغي أن نسأل: ما الذي تستطيع المدرسة أن تفعله حتى لا يصبح التعلم الجيد امتيازًا لمن يستطيع دفع تكاليف إضافية؟

7. الدعم والوسائل التعليمية: من مستلزمات النجاح

من الإجراءات الضرورية تقليص الاكتظاظ، وتنظيم حصص للدعم والاستدراك في المدرسة، وإعادة الاعتبار إلى المخابر والمكتبات والأنشطة العلمية، والتحفيز على القراءة والتدريب على الحساب وأساليب المنطق في السنوات الأولى، وتخفيف الحشو، وإدخال التقييم في بداية السنة لمعرفة ما اكتسبه التلميذ وما فقده وما يحتاج إليه.

8. قياس مستوى المنظومة: لتحديد موقعنا عالميًا

من البيداغوجيا أيضًا أن نعرف أين نحن، بدل الاكتفاء بالقول إن منظومتنا التعليمية جيدة أو تحتاج إلى إصلاح. ولهذا ينبغي أن تتّجه وزارة التربية الوطنية بجدية إلى المشاركة في الاختبارات الدولية الكبرى في الرياضيات والعلوم، وفي مقدمتها برنامج “بيزا” (PISA) وبرنامج “تيمس” (TIMSS)، وأن تجعل نتائج هذه المشاركات أداة للتشخيص والتحسين، لا مجرد بحث عن ترتيب دولي.

فالمشاركة في هذه الاختبارات تسمح بمقارنة مستوى تلاميذنا بمستويات تلاميذ بلدان أخرى وفق معايير دولية، وتساعد على اكتشاف نقاط القوة والضعف في الرياضيات والعلوم والقراءة، وعلى معرفة ما إذا كانت المناهج وطرائق التدريس تحقق فعلًا الكفاءات التي نريدها.

9. اكتشاف التلاميذ المتميزين: لتحفيز الجمبع

ينبغي ألا نحصر اهتمامنا في متوسط مستوى التلاميذ. فكل منظومة تعليمية جادة مطالبة أيضًا باكتشاف ورعاية أصحاب القدرات العالية. ومن هنا تأتي ضرورة وضع خطة وطنية لاكتشاف التلاميذ المتميّزين ورعايتهم منذ المرحلة الابتدائية بحيث تشمل جميع المناطق والمؤسسات، ولا تقتصر على المدن الكبرى أو المدارس التي تتوفر على إمكانات أفضل.
ويمكن إنشاء آلية وطنية للكشف المبكر عن المواهب في الرياضيات والعلوم واللغات وغيرها، وتنظيم اختبارات ومسابقات محلية وولائية ووطنية، ثم توفير برامج خاصة للتلاميذ الذين يظهرون قدرات استثنائية. وينبغي أن يحصل هؤلاء على تكوين إضافي طيلة السنة وتوجيه من أساتذة متخصصين، وأن تتاح لهم المشاركة في المسابقات الأولمبية العالمية والإقليمية في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والمعلوماتية وغيرها.

لكم الحق في الحديث عن “البيداغوجيا” بمناسبة الدخول المدرسي، ولكن اجعلوها حاضرة فعلًا عندما نُحدد رزنامة السنة، وحين نُكوّن المعلم، ونُنظم القسم، ونَضع البرامج، ونَقيس النتائج، ونَكتشف النوابغ. فهذه هي اللحظات التي تُختبر فيها قيمة الخطاب تربوي لأن البيداغوجيا ليست كلمات تُقال في المناسبات، بل اختيارات وقرارات تُترجم إلى واقع يعيشه التلميذ والمعلم كل يوم.

مقالات ذات صلة