خرافة الدولة المدنية
في عدد الأربعاء، كنت ألمحت إلى القاعدة الركن الحاكمة في السياسة، من حيث إن السياسة هي تنظيم لعلاقات القوة والنفوذ في النظم الديموقراطية، كما في الأنظمة الشمولية، وقد جاء حدث استقالة الفريق السيسي من وظائفه العسكرية، قبل الترشح لرئاسة مصر، ليمنحنا فرصة جيدة لمراجعة بعض الأساطير التي تحجب عنا رؤية اللعبة السياسية، كما ينبغي لنا أن نراها.
بعيدا عن الاصطفاف الأخرق مع من وصف ما جرى في مصر على أنه كان انقلابا عسكريا صرفا، أطاح بشرعية انتجها صندوق الانتخاب، أو مع من يزعم أن المؤسسة العسكرية المصرية إنما قادت “ثورة شعبية” أطاحت بحكم الإخوان، فإن الأهم هو الانتباه إلى أن المؤسسة العسكرية المصرية ما كانت لتدخل في هذه المغامرة لو أن الإخوان ـ وهم يستلمون السلطة ـ تصرفوا بقدر من الواقعية، وتنبهوا إلى أن المؤسسة العسكرية كانت منذ نشأة الدولة المصرية الحديثة، هي الجهة المنظمة لعلاقات القوة والنفوذ، وأنها لن تجرد بسهولة من هذا الدور، حتى مع الاستعانة بقوة خارجية جبارة مثل الولايات المتحدة.
النموذج التركي يمنحنا وصفة أخرى لمسار اتبعته قوة سياسية إخوانية، اعترفت بموقع المؤسسة العسكرية الأتاتركية، كقوة منظمة لعلاقات القوة والنفوذ، اعتراف سمح لحزب العدالة والتنمية بإدارة علاقات حكوماته المتعاقبة مع المؤسسة، بعيدا عن المواجهة والصدام، وحافظ على التزامات المؤسسة العسكرية، تحديدا مع حلف النيتو، الذي يبقي على موقع المؤسسة العسكرية ومكانتها كيفما كانت القوة السياسية التي تصل إلى الحكم.
معظم ثورات ربيع الشعوب في أوروبا الشرقية انتجت سلطة جديدة، تعاملت مع القوى المنظمة لعلاقات القوة الموروثة عن العهد السوفييتي، والتي لم تفككها الثورات، بل جعلت منها شريكا في رسم قواعد تنظيم علاقات القوة وإدارتها، وطمأنت المؤسسات العسكرية الموروثة بإدماجها السريع في حلف النيتو، ما سمح بتسهيل إدارة الانتقال السلس إلى المسارات التعددية الديموقراطية.
في الحالة الليبية، يعود التعثر الحاصل في بناء مؤسسات جديدة تنظم علاقات القوة إلى تفكيك المؤسسة العسكرية الليبية، مثلما حصل في العراق، ولأجل ذلك فشل العراقيون حتى الآن في استعادة الأمن والاستقرار عبر المسارات الانتخابية، وسوف يعاني الليبيون مثلهم لسنوات، إلى أن يتمكنوا من تحقيق توافق على بناء مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية، يعتمد عليها في إدارة علاقات القوة والنفوذ، وحراسة تداول المدنيين على السلطة في الواجهة.
وحتى لا يخدعنا خطاب التهريج حول الديموقراطية، علينا أن نتأكد أن مؤسسات المركب العسكري والأمني في أفضل وأعرق الديموقراطيات الغربية، ما زالت تحتفظ بدور مقرر في إدارة علاقات القوة والنفوذ، بل كان لها وما يزال، الدور الأول في تحديد استراتيجيات الدول وسياساتها الخارجية، وقد نسجت شبكات معقدة مع قوى وافدة من المركب المالي والصناعي، تتقاسم معها إدارة علاقات القوة والنفوذ، وإدارة التداول المنظم على السلطة بين قوى سياسية مدنية، تعلم حدود ما يمنح لها من سلطان، وما سوى ذلك هو محض تهريج وأساطير تسوق للعامة.