-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

خرافة الدولة المدنية

حبيب راشدين
  • 2736
  • 10
خرافة الدولة المدنية

في عدد الأربعاء، كنت ألمحت إلى القاعدة الركن الحاكمة في السياسة، من حيث إن السياسة هي تنظيم لعلاقات القوة والنفوذ في النظم الديموقراطية، كما في الأنظمة الشمولية، وقد جاء حدث استقالة الفريق السيسي من وظائفه العسكرية، قبل الترشح لرئاسة مصر، ليمنحنا فرصة جيدة لمراجعة بعض الأساطير التي تحجب عنا رؤية اللعبة السياسية، كما ينبغي لنا أن نراها.

بعيدا عن الاصطفاف الأخرق مع من وصف ما جرى في مصر على أنه كان انقلابا عسكريا صرفا، أطاح بشرعية انتجها صندوق الانتخاب، أو مع من يزعم أن المؤسسة العسكرية المصرية إنما قادت “ثورة شعبية” أطاحت بحكم الإخوان، فإن الأهم هو الانتباه إلى أن المؤسسة العسكرية المصرية ما كانت لتدخل في هذه المغامرة لو أن الإخوان ـ وهم يستلمون السلطة ـ تصرفوا بقدر من الواقعية، وتنبهوا إلى أن المؤسسة العسكرية كانت منذ نشأة الدولة المصرية الحديثة، هي الجهة المنظمة لعلاقات القوة والنفوذ، وأنها لن تجرد بسهولة من هذا الدور، حتى مع الاستعانة بقوة خارجية جبارة مثل الولايات المتحدة.

النموذج التركي يمنحنا وصفة أخرى لمسار اتبعته قوة سياسية إخوانية، اعترفت بموقع المؤسسة العسكرية الأتاتركية، كقوة منظمة لعلاقات القوة والنفوذ، اعتراف سمح لحزب العدالة والتنمية بإدارة علاقات حكوماته المتعاقبة مع المؤسسة، بعيدا عن المواجهة والصدام، وحافظ على التزامات المؤسسة العسكرية، تحديدا مع حلف النيتو، الذي يبقي على موقع المؤسسة العسكرية ومكانتها كيفما كانت القوة السياسية التي تصل إلى الحكم.

معظم ثورات ربيع الشعوب في أوروبا الشرقية انتجت سلطة جديدة، تعاملت مع القوى المنظمة لعلاقات القوة الموروثة عن العهد السوفييتي، والتي لم تفككها الثورات، بل جعلت منها شريكا في رسم قواعد تنظيم علاقات القوة وإدارتها، وطمأنت المؤسسات العسكرية الموروثة بإدماجها السريع في حلف النيتو، ما سمح بتسهيل إدارة الانتقال السلس إلى المسارات التعددية الديموقراطية.

في الحالة الليبية، يعود التعثر الحاصل في بناء مؤسسات جديدة تنظم علاقات القوة إلى تفكيك المؤسسة العسكرية الليبية، مثلما حصل في العراق، ولأجل ذلك فشل العراقيون حتى الآن في استعادة الأمن والاستقرار عبر المسارات الانتخابية، وسوف يعاني الليبيون مثلهم لسنوات، إلى أن يتمكنوا من تحقيق توافق على بناء مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية، يعتمد عليها في إدارة علاقات القوة والنفوذ، وحراسة تداول المدنيين على السلطة في الواجهة.

وحتى لا يخدعنا خطاب التهريج حول الديموقراطية، علينا أن نتأكد أن مؤسسات المركب العسكري والأمني في أفضل وأعرق الديموقراطيات الغربية، ما زالت تحتفظ بدور مقرر في إدارة علاقات القوة والنفوذ، بل كان لها وما يزال، الدور الأول في تحديد استراتيجيات الدول وسياساتها الخارجية، وقد نسجت شبكات معقدة مع قوى وافدة من المركب المالي والصناعي، تتقاسم معها إدارة علاقات القوة والنفوذ، وإدارة التداول المنظم على السلطة بين قوى سياسية مدنية، تعلم حدود ما يمنح لها من سلطان، وما سوى ذلك هو محض تهريج وأساطير تسوق للعامة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
10
  • محمد كردادا

    المقراطية هي القوة المنتجة الضامنة للسلم الاجتماعي. اما المؤسسات فهي رافعات توازن لاصحاب النفوذ والمصالح

  • بدون اسم

    يا شيخ رئيتك ترحب بالرئي الصائب

    انا حقيقة لم احكم مسبقا واكتفيت بقولة ان الرئي السديد والرئية الصائبة انما تتخذ بمدى الحضور فى حيز النواة اي دائرة صنع القرار

    تبين لى ربما توافقوننى خاصة مع انهيار الخطاب السياسى الى الدرك الاسفل ..ان دوافع التغيير ليست بادى الجزائر وليست ذاتية والرغبة مؤسورة ان كانت حية فبالتالى هي بايدى الخارج اي دوافع خارجية تتماشى مع مصلحة الخارج فلطالما 97/100 الثروة تخرج ولا تدخل يعنى مصالح مضمونة بنسبة ذاتها و3 /100 هي قيمة نقدية مقابل الخسائر ربما 97/100

  • حنصالي

    صحيح هي خرافة الدولة المدنية المبنية علي ثنائية الشراسة والشراهة لغياب الادراك كمبدئ اساسى للوجود وفرض سلوك معين بغض النضر عن علته ..فتتخفى تحت برنوس الحضارة وادواته والياته الرشوة والنفوذ والقوة المفرطة والتحايل على القانون والكذب والخديعة وعدم الثقة ..صفاة المجتمع المنحط المتدنى لقانون الغابة

    خلافا للدولة المدنية الحديثة ..التى اكتسبت الوعى والادراك وبالتالى تعتمد على قانون العدل كاساس الملك لتعديل السلوك وتقويم الاتجاه وخàلق دينالفعل يقوم على الانتاجية والفاعلية كمقياس اولى

  • الجزائرية

    ألا تدري أخي عيسى أن الكتاب كلهم ليسوا في نفس المنزلة العلمية و القدرة على النظرة الصائبة بفعل تكوينهم وتجاربهم و الذكاء كذلك .هم أقسام ،فمنهم طبقة سي راشدين و هم قلة ممن يتواصل بفكره النير و تكوينه الأكاديمي بمسؤولية و زاده في التخصص كبير وأدواته النقدية والعلمية وعلى رأسها الحياد و الموضوعية فيتلقاه القارئ مستمتعا و مرتاحا.و هناك المتطفل على الفكر لكنه يملك القلم أي اللغة و منهم المتحزب للشخص أو لاتجاه معين أو معاد لشخص لأنه لم يخدم مآربه فهو انتهازي و بالتالي يختصر الوطن في ذلك الشخص و

  • عيسى

    ليت بقية الكتاب الذين ينشطون في الشروق يتعظون من مقالاتك يا أستاذ راشدين, فلقد أكرهونا حتى في أنفسنا من شدة التراهات و الشعارات, لقد قبحوا كل شيء في وطننا, و انتهجوا سياسة "جلد الذات" و المؤسف أن الواحد منا حين يقرأ لهم لا يفهم و لا يستطيع أن يتصور حتى مبتغاهم من كل ما يكتبون. فما المراد و ما هي أغراضهم ؟ أخشى ما أخشاه أنه مجاني دون أي مبتغى اللهم بروز أسمائهم على الساحة الإعلامية لا أكثر و لا أقل, يعني بالمختصر المفيد "طالبين سمعة على صوامع الوطن".

  • الجزائرية

    .. دول العالم الثالث عموما دول هشة حديثة عهد بالإستقلال .لا تزال تعاني من مظاهر تخلف عديدة فكرية و اجتماعية واقتصاديةومن تحصيل حاصل من منظومة سياسية ضعيفة غير قادرة على الإستجابة لكل متطلبات مجتمعاتها ،سلطة ومعارضة..و لو عدنا للتاريخ الأوربي ففرنسا و رغم عصر التنوير و النهضة قبلها الذي دام قرونا لم تسلم من ثورات شعبية عارمة و متتالية ما لبثت أن انتشرت في كل ربوع أوربا (1789 ـ 1848) و عاشت القارة الإضطرابات و الفوضى فحلت مشاكلها في مؤتمر برلين واحتلت عشرات الدول لتعيد توازنها وتبني ديمقراطياتها .

  • Abu Anas

    Bien dit Monsieur Habib je partage entierement votre point de vue.

  • Abchir

    السلام عليكم
    كلام موزون وممتاز بعيدا عن كل تهييج ، أستاذ تعجبني تحليلاتك حتى أني أستشهد بها في مناقشاتي
    بالتوفيق....

  • بدون اسم

    تحليل منطقي يقرأ الواقع كما هو ...ليت اشباه الساسة يدركون ذلك؟ و لايدخلون بلدانهم في متاهات لا تبقي و لا تذر كما هو حال ليبيا، العراق و يريدون ذلك في سوريا؟ السياسي المحنك من يعمل قدر المستطاع كسب الأصدقاء لا كسب الأعداء؟ و كسب الأصدقاء يعني كسب السلم؟

  • Azedine

    ممتاز
    أحسنت