خسارة تركية استراتيجية
من الواضح أن تطورات الأحداث في المشرق العربي، لاسيما في الشأن العراقي والشأن السوري تشير إلى تعديلات في مناطق النفوذ الإقليمي والدولي.. ويبدو أن الخاسر الأكبر على الصعيد السياسي هو الحكومة التركية التي بنت استراتيجيتها على أن تحتوي مناطق النفوذ العثماني التاريخي وبذلت جهودا كبيرة في هذا الاتجاه. وكان شعارها “تصفير المشاكل” في الإقليم.. إلا أنها، وفي أتون الربيع العربي، لم تستطع الوقوف على الحياد، فاندفعت بقوة وحماسة لتشجيع الثائرين في الإقليم، وأصبح الرئيس التركي ناطقا رسميا باسم الانتفاضات الشعبية، بل ومحرّضا على إسقاط حكام مصر وليبيا وسوريا.. وإذا بها تدخل بعمق في كل مشاكل المنطقة كطرف صراع.
كان الملف السوري أهم الأوراق بيد الحكومة التركية.. وكانت سورية قبل الأحداث الدامية فيها مجالا حيويا للتحرك التركي، فلقد رفعت شروط تحرك الأفراد والبضائع بين الجانبين وشهدت الحركة الاقتصادية بين البلدين نموا مطردا وقامت الحكومة التركية بدور الوسيط بين سوريا وإسرائيل. وبالجملة وجدت تركيا فرصة القيام بدور إقليمي استراتيجي بخصوص عملية التسوية السياسية بين إسرائيل والعرب لاسيما سوريا.. وفجأة مع الربيع العربي اندفعت تركيا إلى تبني خط إسقاط الدولة السورية ففرغت سوريا من مؤسساتها ومصانعها وفتحت الحدود للمهاجرين وشجّعتهم وفتحت للمقاتلين معسكرات تدريب وسهلت لهم سبل التحرك نحو العمق السوري.. ويوما بعد يوم غرقت تركيا في الملف السوري حتى أصبح من الصعوبة بمكان فصل الحديث عن مصالحة سورية- سورية دون الحديث عن دور تركي في القضية..
إلا أن التدخل الروسي بعد أن فشل التحالف الدولي الأمريكي أعاد ترتيب الخريطة من جديد، لكن حكام تركيا أظهروا تسرعا في مواجهة دخول روسيا على الخط وخرجوا عن سياق التعاطي الغربي ففقدوا دورهم في الملف السوري.
بعد أسابيع قليلة من حادثة الصوخوي الروسية، حرك العراقيون موقفا ضد الوجود التركي بشمال العراق.. وشهدت الساحة حالات من التجييش الإعلامي والعسكري في العراق.. فرغم رفض الأتراك الانسحاب من شمال العراق بحجة أن قواتهم تقوم بأدوار محددة في تدريب البشمرقة الكردية للتصدي للمجموعات المسلحة إلا أنه من الواضح أن الموقف الرسمي العراقي الحالي يوجّه ضربة سياسية وأمنية خطيرة إلى الاتراك برفع الغطاء عن الوجود التركي بشمال العراق..
ويصعد العراقيون الموقف بتقديمهم طلبا إلى مجلس الأمن للبت في التدخل التركي المسلح في عمق الأراضي العراقية كما يتمثل التصعيد بتحريك المليشيات العراقية للتحذير والتنديد والمطالبة بخروج القوات التركية فورا، وانخرط في العملية كل المسؤولين العراقيين الرسميين والمرجعية الشيعية في العراق.
هكذا تخسر تركيا موقعها في طاولة التباحث حول مصير المنطقة وفي ترتيب خريطتها السياسية.. وهكذا تجد تركيا نفسها في مواجهة جبهة إقليمية متماسكة من سوريا والعراق وإيران بعمق تحالف مع روسيا.. ويبدي السياسيون الأتراك حالة من الاضطراب بفقدانهم دورا كان مرحبا به.. تولانا الله برحمته.