خطل فرنسي
جاء في تراثنا أن امرأة ذهبت إلى صائغ وطلبت منه أن ينقش لها صورة شيطان على حلي، فاستغرب الصائغ وألقى معاذيره بأنه لا يعرف للشيطان رسما.
ذهبت المرأة وغابت مدة من الزمن ثم عادت إلى الصائغ ومعها شخص، وقالت للصائغ: مثل هذا وانصرفت لشأنها.
سأل ذلك الشخص ذلك الرجل عن الأمر، ولماذا جاءت به تلك المرأة؟
فأجاب الصائغ: لقد طلبت مني تلك المرأة أن أنقش لها صورة الشيطان على خاتم، فأنكرت معرفتي الشيطان، فغابت عني برهة، ثم رجعت بك وقالت: مثل هذا، في ظنها أنه تشبه الشيطان.
بقي أن يعرف القراء أن هذا الشخص الذي جاءت به المرأة هو أبو عثمان الجاحظ (ت 868)، رحمه الله.
لو أن هذه المرأة أدركت زماننا هذا، أو أن واحدا من صحافيي تلك الجريدة القذرة أدرك زمان تلك المرأة لما كانت في حاجة إلى البحث عن شخص أشبه الشيطان نفسه، ولما وجدت أكذب من تلك الجريدة العار، كأن شاعرنا الجزائري عبد الحفيظ الثعالبي عناها بقوله:
يحلو بها الكذب لأربابها كأنها أول أفريل
إن الخطأ طبيعة بشرية في كل زمان ومكان، ولكن البشر الأسوياء يرتكبونه عن غير عمد ثم يعتذرون عنه ويقلعون عنه، بينما أكثر هذا “الجنس الفرنسي” يتعمدون الخطأ خاصة في حق الإسلام والمسلمين، وإذا نبّهوا إلى خطإهم أصروا على ذلك الخطإ وقد يكون الشاعر عناهم عندما فضل على أفضلهم صخرة، حيث قال:
أفضل من أفضلهم صخرة لا تظلم الناس ولا تكذب
أو قد يكون الشاعر الآخر عناهم عندما فضل الضفادع عليهم، قائلا:
فأصدق منهم في المسامع لهجة ضفادع في المستنقعات تنقنق
لقد سمعت رئيسهم “هولند” يعلن من “معهد العالم العربي” أنه “يتعهد” باسم فرنسا أن يحمي المسلمين المقيمين بها، فكانت كلمة هو قائلها ليس عليها دليل.
إننا نحن الجزائريين الشرفاء أعرف الناس بـ “عهد“ فرنسا، التي لا عهد لها ولا أيمان، وقد شهد على ذلك شاهد من أهلها هو المؤرخ ميشال هابا في كتابه المسمى “قصة خيانة” (Histoire d’un parjure).
إذا كان شكل الجاحظ لم يعجب تلك المرأة؛ فإن عقله يبهر – إلى الآن– ذوي الأحلام من الأنام.
يزعم الغربيون – وفي مقدمتهم الفرنسيون – أنهم “حماة” حرية التعبير، ووالله ما عرف التاريخ أكذب منهم، ذلك أن الحكم لا يصدر إلا على “كائن” موجود، ولكن فرنسا “أم العجائب القانونية” كما وصفها الإمام ابن باديس، أصدرت حكما بالإيقاف على كل جريدة ستصدر عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فعلق الإمام الإبراهيمي قائلا: “هذا الحكم كأنه حكم بالإعدام على شخص لمّا يولد بعد“.
إن مشكلة الغرب – وفي مقدمته فرنسا– يرفض الأخلاق النبيلة، وإن تكلم عنها فتجارة بها، وإلا فأين هي “حرية التعبير” في قضية المفكر الكبير “جارودي“؟ وصدق المؤرخ الروماني شيشرون (ت 43 ق.م) القائل: “إن من يجهل التاريخ سيبقى طفلا أبدا الدهر وإن الأطفال في جميع أنحاء العالم لا يخاطبون بالعقل، وإنما بالحلوى والشكولاتة لكي يكفوا أو يتوقفوا عن طيشهم وعبثهم“.