-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
استشعار مارسه مستشرقون تحت غطاء "التثاقف والاستكشاف"

خفايا الصندوق “الكولونيالي” الأسود في الجزائر

الشروق أونلاين
  • 7552
  • 1
خفايا الصندوق “الكولونيالي” الأسود في الجزائر
ح.م
جانب من فعاليات ملتقى بن شنب والاستشراق في المدية

شكّل الملتقى الدولي حول “الدكتور محمد بن شنب والإستشراق” المتواصل بحاضرة “المدية”، مناسبة لإماطة اللثام مجددا عن خفايا الصندوق الكولونيالية الأسود في الجزائر، عبر الذي مارسه مستشرقو فرنسا تحت غطاء “التثاقف والاستكشاف”، ولا تزال آثاره بادية، في صورة التنصير والمسخ الثقافي.

أفاد أ/”عبد الله ذراع” إنّ الاستشراق انتشر في الجزائر منذ بدايات الاحتلال الفرنسي عام 1830، اعتبارا لأهميتها التاريخية والثقافية والجغرافية كبوابة للعمق الإفريقي، واعتبر عقد مؤتمر المستشرقين الرابع عشر في الجزائر عام 1905، حلقة من حلقات التكامل والتعاون الإستراتيجي القائم بين الاستشراق والاستعمار الفرنسيين، وفيه حاول الفرنسيون إضفاء طابع “الجزائر الفرنسية” التي كان قد مضى على احتلالها حينذاك أكثر من سبعة عقود  .

وفي مداخلته الموسومة “الظاهرة الاستشراقية في الفكر الجزائري الحديث”، ذهب “ذراع” إلى أنّ المحتل القديم اهتمّ في الجزائر بـ”شرق الهوية” لا “شرق الجغرافيا”، ما جعل فرنسا تراهن على مستشرقيها أكثر من مراهنتها على جيوشها، فظهر ذاك الترابط المتين بين الإستشراق والإستدمار، وهو معنى كرذسه “سلفستر دوساسي” كبير مستشرقي “نابليون”، وكان “دوساسي” صاحب بيان الجيش الفرنسي المعرب الذي وجه للشعب الجزائري أثناء حملة احتلاله عام 1830.

ولاحظ “ذراع” إنّ مراكز “الاستشعار” الفرنسية قطعت الطريق على المفكّر الجزائري الشهير “مالك بن نبي”، وحرمته من دخول مراكز الاستشراق الفرنسية، علما إنّ بن نبي (1905 – 1973) عاش في باريس قلب الاستشراق طوال 30 سنة وسعى لفهم الظاهرة من حيث المرامي ما أهلّه لاكتساب زاد معرفي غزير، ولم يكتف “بن نبي” بالتشخيص، بل وضع الوصفة المناسبة لعلاج الاستشراق المنوّم، بالعودة إلى أصالة وهوية المجتمع.

تعدّدية مهام

لفت الباحث “الطيب بن إبراهيم” إلى أنّ الاستشراق الفرنسي كان متعدّد المهام في الجزائر، ووظّف أساليب “متعددة وبريئة” كالتثاقف والاستكشاف، هدمة لنواياهم، فعمد عموم المستشرقين الفرنسيين للتوغل وبسط نفوذهم مبكرا في الجزائر، وعبّر العديد من الشخصيات العسكرية والدينية الفرنسية عن ذلك بقولهم إنّ “احتلال الجزائر وحده لا يكفي”.

وقال “لويس فويو” كاتب “بيجو” سنة 1841: “إن الجزائر ممتلكة مسيحية ولن تكون تونس والمغرب مثلها قبل زمن طويل، والعرب لن يكونوا لفرنسا إلا إذا صاروا فرنسيين ، ولن يكونوا فرنسيين إلا إذا تنصروا”، كما شدّد المستشرق “رودي بارت” على أنّ الهدف الرئيسي من جهود المستشرقين، سواء في المراحل الأولى للاستشراق أو في المراحل التالية هو التنصير.

مثلما ركّز الكاتب الفرنسي “أوغست برنارد”:”لم نحضر إلى الجزائر لإقرار الأمن، بل لنشر الحضارة واللغة والأفكار الفرنسية.. وليست الجزائر مستعمرة كالهند الصينية.. ولكنها جزء من فرنسا كما كانت أيام روما.. إننا نريد أن نجعل هناك جنسا يندمج فينا عن طريق اللغة والعادات.. وسيتم هذا بعد نشر لغة فيكتور هيغو”.

ومن ثم، ذهب “بن ابراهيم” إلى أنّ كلا من الاستعمار والاستشراق “يمثلان محض محاولة غربية لممارسة وصاية على الشرق، وأنهما شقيقان أبناء رجل واحد وامرأة واحدة، وتاريخ واحد وجغرافية واحدة، و يحملان بعدا روحيا واحدا”.

من جانبه، أشار د. “محمد خليفاتي” إلى أنّ المستشرقين لم يتكلموا من فراغ، حيث درسوا الحضارة الاسلامية أكثر من معتنقيها، لكنهم جنحوا إلى التشويه، على منوال “بروكلمان” وافتراءاته بشأن وضع النبي الأعظم للقرآن الكريم، وتوصيفه “البدوي” كشخص مفرط الأنانية، ونفي العبقرية عن العرب، تماما مثل المستشرق “بلانشير” الذي ادعى أًنّ القرآن كان (شتاتا) والمسلمون “زادوا فيه”، واتهامه “زيد بن ثابت”. 

الاستشراق = التنصير + التجزئة  

في مقاربته لـ”سؤال الأيديولوجيا والدراسات الاستشراقية الأنثروبولوجية في الجزائر”، لاحظ أ. “عمار بركات” إلى أنّ نزعة الاستشراق انتقلت من التبشير إلى الاستقراء، وهو حراك بدأ في الجزائر بنسق وصفي إبان الاستعمار لفهم خصائص الجزائريين دينيا وثقافيا.

وشرح “بركات” إنّ “أنثروبوجيا التجزئة” على طريقة “دوركايم”، وتصنيفات العشيرة إلى قبائل، وكذا القبائل إلى مجموعات جزئية من السلالات، هي الخلفية التي اتكأت عليها فرنسا في خططها لضرب الوحدة الجزائرية.

في اتجاه آخر، تفاعلت أ/”سكينة بوشلوح” مع طرح “الطيب بن إبراهيم” من كون الاستشراق الفرنسي ظلّ أخطر أنواع الاستشراق بالنظر إلى خطورة مخططاته وآثاره، فضلا عن الجذور الفرنسية – تاريخا وثقافة وانطلاقا – للاستشراق عموما، وجاء على لسان المستشرق “زويمر”: “ليست مهمتنا هي تنصير المسلمين، فهذا شرف ليسوا جديرين به، ولكن مهمتنا هي صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام، وفي ذلك نجحنا نجاحا باهرا بفضل مدارسنا التنصيرية”.

وزويمر نفسه له مقولة شهيرة أخرى قالها بعد ذلك بـ30 عاما في مؤتمر المنصرين بالقدس “إنكم أعددتم نشئا لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم عن الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقا لما أراده الاستعمار المسيحي، لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات، فإذا تعلم فللشهوات وإذا جمع المال فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء. إن مهمتكم تمت على أكمل وجه، وانتهيتم إلى خير النتائج، وباركتكم المسيحية ورضي عنكم الاستعمار“.

من جانبه، أوعز المستشرق الفرنسي المعاصر جاك بارك (1910– 1995) إنّ “الاستشراق هو الجناح الفكري للتوسع السياسي، وغياب أحدهما عن الآخر هو بداية تصدع في جدارهما، وهو ضعف لهما ومؤشر لبداية زوالهما”، بما يعكس مدى عمق النزعة الصليبية المتجذرة في الموروث الثقافي لفرنسا، والذاكرة الجماعية لمستشرقيها الذين غالبا ما استخدموا مصطلح “التبشير” على ما ينطوي عليه من انحياز ومغالطة، تبعا لما يضفيه من معاني البشارة والخيرية، في حين أنّ المستشرقين كانوا يدعون صراحة إلى النصرانية.

أشهر مستشرقي فرنسا “يهود”

تتضمن قائمة المستشرقين الفرنسيين في الجزائر، طائفة غير قليلة من ذوي الأصول اليهودية، يستعرضهم “الشروق أون لاين” في هذه الورقة.

في الصدارة، يأتي “ليفي بروفنسال” (1894 – 1956)، واشتهر هذا المستشرق بأبحاثه في تاريخ المسلمين، وُلد في الجزائر العاصمة من أسرة يهودية، وتلقى تعليمه في قسنطينة، قبل أن يتخرج من كلية الآداب في جامعة الجزائر، واشترك في الحرب العالمية الأولى عام 1914، وجرح.

عاد “بروفنسال” إلى فرنسا ثمّ المغرب ضابطاً في الشئون الإسلامية، قبل أن يعود إلى الجزائر مجدّدا، استطاع بدهائه إخفاء مشاعر اليهودية على الرغم من تورطه بالإساءة للإسلام والنفور من مجتمع المسلمين، مما حقق له شهرة في مجتمعه وبين قومه، كما ظهر دهاؤه في تأييد ثورة الجزائر رغم وجهته الاستعمارية والفكرية.

ولا تختلف المصادر في كون “بروفنسال” من خدم الاستعمار المخلصين، وجنوده البارزين، حيث ساهم تعليمياً في التدريس في الجامعات الاستشراقية الفرنسية أو التابعة لفرنسا، كما ساهم عسكرياً في الجيش الفرنسي. وساهم أيضاً فكرياً بتأليف مجموعة من الكتب والبحوث كان لها أثرها في مدّ الاستعمار الفرنسي بما يحتاجه من معلومات وخبرات، وأسس مجلة أرابيكا التي تخصصت في الدراسات الاستشراقية.

ولم تكن يهوديته عاملاً مثبطاً له، بل إنه استثمر أعماله وعلاقاته في التملص من العقوبات التي طالت ناشطي الدولة العبرية.

في مقام ثان، هناك “لويس ماسينيون” (1883 – 1962)، هو أحد دعائم الاستشراق (وخاصة ما يتعلق بالتصوف الإسلامي) وُلد في باريس، ثم قام برحلة إلى الجزائر، تخرج من كلية الآداب عام 1902، وحصل أيضاً على دبلوم الدراسات العليا، واشترك في مؤتمر المستشرقين في الجزائر عام 1905، وفيه تعرف على “غولد زيهر” و”سنوك هرغرونيه”، نال أيضاً دبلوم اللغة العربية من المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية، طاف بالبلاد الإسلامية كالحجاز والقاهرة والقدس وبغداد، وأقام في القدس وبيروت وحلب ودمشق والآستانة،  ثم رجع إلى باريس عام 1919. حصل على الدكتوراه برسالته عن آلام الحلاج من السوربون عام 1922م. كان موغلاً في الروحانية نتيجة اشتغاله المتواصل بفهم أسرار الصوفية.

كان “ماسينيون” مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شئون شمال إفريقيا، وغلب عليه الطابع التنصيري، حيث كان الراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية، ووضع اتجاهه التنصيري في خدمة السياسة الاستعمارية الفرنسية آنذاك، أما تصوفه وفلسفته فهما موظفان للنشاط التنصيري السياسي الظاهر والخفي.

وهناك المئات من المستشرقين الفرنسيين ممن نشطوا في الجزائر على مدار قرن ونيف، بينهم على سبيل المثال لا الحصر: ألفريد بل – غي آرثور – بولياك – الأسقف ديفريس – لافيجري – فيفريه – كور – ريكار – إيكوشار – ايفر – كليرجه – بروست – وليم مارسه – كامرير – جورج مارسه – غرانشان – بلانشار – بلليو – ايبر سول – فيفره – ليفير – جان ديني – بوانسو – مرسيه – أوتران – هالفن – رينو – غودار – بول مارتي – إميل أمار – دوين – مونيه – بيرك – غيلسون – مارسيل كوهين – غروسه – فوره – هنري ماسي – سيدس – كاري – غاستون فييت – دي سينفال – هنري برونو – غرول – كانار – أوكتاف بل – ليون غوتيه – ليون بيرشيه – بيريس – مايار – جان غوين – لوبينياك – رينيه غيستون – مونتان – ليسكي – غابرييل كولين – بلانشير – ميكال – هنري لاووست – جاك بيرك – شارل كونتز – أندريه رايمون – دومينيك سورديل – ألفونس إتيان دينيه (ناصر الدين دينيه)، روجيه جارودي وموريس بوكاي، علما إنّ الثلاثة الأخيرين أسلموا.

إفرازات فصام لغوي شعبي

ربط “مالك بن نبي” الاستشراق بـ”ظاهرة الازدواج اللغوي” التي أدت بدورها إلى ما سماه “الازدواج الشعبي”، ففي الجزائر كانت سياسة فرنسا لا تقتصر على الميدان الفكري الجامعي والتعليمي فقط وإنما تعدته إلى مجال الحاجات العادية، أي في الشارع والسوق والمقهى وكل المحيط..

نظرة “بن نبي” أيّدها الكاتب “عبد الله شريط”:”الاستعمار الفرنسي خلق في مجتمعنا تمزقا في الثقافة والتفكير والأخلاق وفي الحياة الاجتماعية نفسها”، ما يعكس تداعيات الاستشراق الفرنسي الذي كان أكثر أنواع الاستشراق الغربي تجنيدا لـ”الغزو الثقافي” و”التبشير” الديني، واعتمد المحتلون على الاستشراق كحليف رئيسي للتنصير والاستعمار والثقافة الفرانكفونية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • الصنوبري

    الاصح بلاشير و ليس بلانشير . ماسينيون ليس يهوديا . عن المستشرقين ما لهم و ما عليهم يمكن العودة الي كتاب نجيب العقيقي و عنوانه المستشرقون في 03 اجزاء و كتاب موسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي .